وطن-في الوقت الذي تتصاعد فيه أصداء الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، تتكشف فصول جديدة من حادثة دامية هزّت الضمير العالمي، بعد أن أودت غارة جوية بحياة العشرات من الأطفال في مدرسة للبنات بمدينة ميناب الإيرانية.
غموض وتضارب في الروايات الرسمية
قبل أربعة أيام فقط، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يؤكد أن طهران تقف وراء التفجير الذي استهدف المدرسة، والذي راح ضحيته ما لا يقل عن 165 شخصًا، غالبيتهم من التلميذات بين السابعة والثانية عشرة من العمر. غير أن التطورات اللاحقة قلبت الرواية رأسًا على عقب، بعدما أشارت أدلة ميدانية وصور أقمار صناعية إلى أن الضربة قد نُفّذت فعلًا بواسطة سلاح أمريكي الصنع.
تقرير استقصائي نشرته إحدى الصحف الأمريكية العريقة أظهر، من خلال تحليل بقايا الأسلحة في موقع الانفجار، أن صاروخ “توماهوك” – وهو من الطراز المستخدم حصريًا من قبل الجيش الأمريكي – كان السبب المرجّح للدمار. وجاءت منصة التحقيق الرقمية “بيلينغكات” لتدعم هذه النتيجة بفيديو جديد يوثّق لحظة سقوط الصاروخ على مبنى قريب من المدرسة.
وعندما سُئل ترامب عن هذه الأدلة أثناء حديثه للصحفيين خارج البيت الأبيض، اكتفى بالرد قائلاً: “لا أعلم”.
جدل في واشنطن ومطالب بالمحاسبة
في مجلس الشيوخ الأمريكي، وجّه عدد من النواب الديمقراطيين رسالة رسمية إلى وزير الحرب بيت هيغست، طالبوه فيها بتوضيحات فورية حول نتائج التحقيقات. النواب وصفوا ما حدث بأنه “كارثة إنسانية مروّعة”، وندّدوا بتصريحات الوزير السابقة التي دعا فيها إلى “حرب بلا قيود”، معتبرين أنها تعكس استخفافًا بقوانين الحرب وبالحياة المدنية.
وجاء في الرسالة أن الغالبية العظمى من القتلى أطفال لا يتجاوزون الثانية عشرة، وأن استمرار الحرب دون اعتراف رسمي أو محاسبة “يعمّق الشعور بانعدام العدالة”.
تراجع ثقة الشارع الأمريكي
أظهرت استطلاعات للرأي أجرتها عدة مؤسسات أمريكية منذ أواخر فبراير أن هناك انقساما واضحًا في الموقف من الحرب على إيران. فقد أشار نحو نصف المشاركين في استطلاع أجري بين أكثر من 500 أمريكي من أصل إيراني إلى معارضتهم للحرب، فيما أعربت نسبة مقاربة عن دعمها لها.
على الرغم من ذلك، تشير الاتجاهات العامة إلى تراجع التأييد الشعبي لنهج الإدارة الأمريكية، خاصة مع غياب خطة واضحة لإنهاء العمليات العسكرية.
أصوات تدعو إلى إنهاء الحرب
حتى داخل المعسكر الجمهوري، بدأت أصوات ترتفع مطالبة بوقف القتال. السيناتور الجمهوري جوش هاولي اعتبر أن “الولايات المتحدة حققت ما يكفي لتعلن النصر”، داعيًا الرئيس إلى إنهاء المهمة العسكرية. وقال في مقابلة تلفزيونية: “لقد أنهينا البرنامج النووي الإيراني منذ أشهر، وما تحقق في الأيام العشرة الماضية يكفي؛ يجب أن نحيّي جنودنا ونكتفي بما أنجزناه”.
لكن المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أكدت في المقابل أن الهدف من الحرب لا يزال مرتبطًا بالأسلحة النووية الإيرانية، رغم أن ترامب نفسه كان قد أعلن سابقًا تدمير ذلك البرنامج بالكامل.
غياب الرؤية وقلق في الأوساط السياسية
في جلسة مغلقة لمجلس الشيوخ، خرج عدد من الأعضاء بانطباع واحد: “لا توجد خطة”. السيناتور كريس فان هولن وصف موقف الإدارة بأنه “ارتباك مطلق”، فيما قالت السيناتور إليزابيث وارن إن “الحرب غير قانونية ومبنية على أكاذيب ولم تُطلق لمواجهة تهديد وشيك”.
وأكدت وارن أن الإدارة لم تقدّم “سببًا واضحًا للعمليات العسكرية، ولا تصورًا لنهايتها”.
تداعيات إنسانية متزايدة
وفقًا لإحصاءات رسمية صادرة عن بعثة إيران لدى الأمم المتحدة، تجاوز عدد القتلى الإيرانيين 1300 شخص منذ بداية الحرب. وفي المقابل، أعلنت الخارجية الأمريكية أن أكثر من 43 ألف مواطن أمريكي غادروا المنطقة منذ 28 فبراير خوفًا من تصاعد الهجمات.
وبينما تشير التقديرات إلى أن أكثر من مليون أمريكي ما زالوا يقيمون في مناطق متأثرة بالقصف والعمليات الانتقامية، أكد مسؤولون أن معظمهم اختاروا العودة بوسائلهم الخاصة في ظل الارتباك الذي رافق الإجراءات الحكومية خلال الأيام الأولى للنزاع.
مأساة تتجاوز الحدود
حادثة مدرسة ميناب، التي اختزلت ملامح الألم الإنساني في صور أطفالها، فتحت تساؤلات حادة حول جدوى الحرب وأثمانها الباهظة. فبين نفي رسمي وتأكيدات تحقيقية، يبقى السؤال الأكبر: من يتحمل مسؤولية مأساة فقدت فيها طفلات أحلامهن قبل أن يتعرفن على معنى الحرب؟
وربما يكون الدرس الأهم في خضم هذه المأساة أن تذكّر العالم بأن الحروب، مهما تزيّنت شعاراتها السياسية، تظل تكتب فصولها بدم الأبرياء.
قد يعجبك
معلومات استخباراتية حول إيران تهزّ الولايات المتحدة وإسرائيل
تحذير من مكتب التحقيقات الفيدرالي: إيران خططت لهجوم بطائرات مسيّرة على كاليفورنيا رداً على الحرب
تقارير تكشف معارضة متزايدة داخل الجيش الأمريكي لغزو إيران واستدعاءات سرية للقوات












