وطن-في الوقت الذي تتصدّر فيه صور الطيّارات الإسرائيليّات واجهة الحملات الإعلامية باعتبارهنّ رمزًا للشجاعة والمساواة، تعيش نساء أخريات في غزة وإيران ولبنان مراحل قاسية من الدمار والعنف، تنكشف خلالها مفارقة قاسية بين خطاب «التحرّر» وصورة الحرب على أرض الواقع.
مشهد احتفالي في السماء
مع بداية العملية العسكرية التي أطلقت عليها إسرائيل اسم «الأسد الهادر» ضد إيران، تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي صورة لأربع طيّارات إسرائيليات يقفن أمام طائرة حربية بزي قتالي، في وضعية استعراضية أقرب إلى أفلام الأكشن. وقد أعاد سياسيون، بينهم يائير غولان زعيم حزب «الديمقراطيين» اليساري، نشر الصورة مرفقة بتعليقات تشيد بمشاركة النساء في العمليات الجوية.
وفي منشور رسمي للجيش الإسرائيلي، جاء أن نحو ثلاثين سيدة من أطقم الطيران ــ بين قائدات طائرات وملاّحات ــ يشاركن في القصف الجوي على إيران، في ما وصفه الجيش بأنه «دليل على أن الجرأة والاحتراف والولاء لا تميّز بين رجل وامرأة». وعلى المنوال ذاته، احتفى قادة سياسيون بهذه المشاركة خلال فعاليات يوم المرأة العالمي، مؤكدين أن النساء «يجعلن كل مهمة ممكنة».
إحصاءات الجيش أظهرت أيضًا تصاعد نسبة المجندات في الوحدات القتالية إلى أكثر من 21 في المئة، بعد أن كانت 7 في المئة فقط عام 2015. وقالت المؤسسة العسكرية في بيانها إن النساء جزء أصيل من النشاط العملياتي، سواء في الجبهات أو في الجبهة الداخلية.
رواية المساواة تخفي وجه الحرب
غير أنّ هذا الخطاب الاحتفائي يتقاطع مع انتقادات حادة تتهم إسرائيل باستخدام خطاب المساواة لتغطية وجه آخر للحرب، حيث تتجلّى المآسي في غزة بأبشع صورها. فمنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، قُتلت أكثر من 33 ألف امرأة وفتاة وأُصيبت عشرات الآلاف، وفق تقديرات أممية. وقد وصفت المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بمناهضة العنف ضد النساء، ريم السالم، ما يجري بأنه «جريمة إبادة ضد النساء الفلسطينيات»، مؤكدة أنّ ما يحدث لهنّ «ليس ضررًا جانبيًا، بل استهداف متعمّد لحياتهنّ وأجسادهنّ فقط لأنهنّ نساء فلسطينيّات».
في القطاع الذي دمّرته الحرب، تعيش أكثر من مليون امرأة وفتاة وسط خيام أو بين أنقاض المنازل، يعانين من نقص حاد في الغذاء والدواء وأدوات النظافة الشخصية. وتحوّلت الأمهات إلى عاملات ضمن طوابير الإغاثة، يحملن الماء والحطب والمساعدات، بينما ترعى كل واحدة أطفالًا مرعوبين وشيوخًا فقدوا كل شيء.
أجساد مستهدَفة
تشير شهادات نساء فلسطينيّات معتقلات إلى تعرض بعضهنّ لأنماط من العنف القائم على النوع الاجتماعي داخل السجون الإسرائيلية، سواء عبر تعذيب مباشر أو تهديدات بالاعتداء الجنسي لانتزاع اعترافات أو لمعاقبتهنّ على صلات عائلية ببعض المقاتلين. كما استخدمت التهديدات بانتهاك النساء كوسيلة ضغط نفسي ضد أسر المعتقلين من الرجال.
وفي حالات أخرى بمدينة غزة، تحدّثت منظمات محلية عن وقائع إذلال متعمّد عندما عرض جنودٌ ملابس داخلية لنساء في بيوتهنّ بتصرفات استفزازية، هدفها إذلال المجتمع الفلسطيني واستباحة خصوصيته.
واقع قاسٍ في مستشفيات مهدّمة
النساء الحوامل كنّ الأكثر تضرّرًا من انهيار النظام الصحي. فقد دُمّرت أقسام الولادة ونفِدَت الأدوية والمستلزمات الطبية، وتسببت المجاعة في فقدان أكثر من 2600 حامل لأجنّتهنّ. أما الأمهات اللاتي أنجبن خلال الحرب، فقد واجهن صراعًا يوميًا لإبقاء مواليدهنّ على قيد الحياة في ظل انقطاع الحليب وتلوث المياه ونقص الغذاء.
وترتبط تلك المأساة بتقارير أخرى عن إجراءات إسرائيلية حالت، لأشهر طويلة، دون إدخال الفوط الصحية وغيرها من مستلزمات النظافة النسائية إلى القطاع، بينما كان البرلمان الإسرائيلي يناقش في الوقت نفسه ضرورة توفير زيّ قتالي وتجهيزات ميدانية أكثر راحة للنساء في الجيش.
امتداد المأساة خارج غزة
في لبنان، حذّرت منظمات إغاثة مثل «أكشن إيد» و«بسمة وزيتونة» من أنّ تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب أجبر حوامل ورضّعًا على النزوح الجماعي، وسط حاجة ماسّة إلى مراكز آمنة ولوازم النظافة ومستلزمات الأمومة.
أما في إيران، التي شهدت بدورها قصفًا مكثفًا ضمن العملية الجوية نفسها، فقد تجاوز عدد القتلى الألف، بينهم 165 فتاة بين السابعة والثانية عشرة من العمر قُتلن في قصف مدرسة بمدينة ميناب جنوب البلاد. ورغم امتناع الولايات المتحدة وإسرائيل عن إعلان مسؤوليتهما، أكدت تقارير إعلامية غربية وقوع الهجوم في منطقة تتواجد فيها قوات أمريكية.
حدود «التحرّر» المزعوم
في خطابات متكرّرة، تربط إسرائيل حربها ضد طهران بالدفاع عن «حرية الإيرانيات»، مستحضرة شعار «المرأة، الحياة، الحرية» الذي انطلق عقب مقتل مهسا أميني عام 2022. غير أن هذه الشعارات تتلاشى أمام صور مدارس مدمّرة وأجساد طفلات فقدن حياتهنّ تحت القصف ذاته الذي يُقال إنه لأجل حريتهنّ.
وهكذا، عندما تُقدَّم مشاركة الإسرائيليّات في القتال بوصفها «انتصارًا للمساواة»، تغيب الأسئلة الحقيقية: من تُقصف، ومن تُهجّر، ومن تدفع الثمن؟ فكما تقول إحدى النساء الفلسطينيات اللواتي نجون من الحرب: «لقد أعادونا مئة عام إلى الوراء.»
في ختام الصورة، يبدو أن الحديث عن «تمكين النساء» يتحوّل، في ظل الحرب، إلى سلاح لغوي لتبرير العنف، وأن النساء اللواتي يُحتفى بهنّ في قمرة الطائرة هنّ في الوقت نفسه سبب مأساة نساء أخريات يبحثن عن شربة ماء وملاذ آمن بين الركام.
اقرأ المزيد
ديفيد هيرست: لماذا يُعد ترامب ونتنياهو الرجلين الأكثر خطورة على كوكب الأرض؟”
إفطار تحت الخيام وصلاة فوق الأنقاض.. كيف يحيي أهالي غزة رمضان 2026؟
خطة دولية كبرى.. مليارات من واشنطن و”مجلس السلام” لغزة، فما هو الثمن المطلوب؟












