وطن-في تحول كبير قد يعيد رسم مسار الهجرة القانونية إلى الولايات المتحدة، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الأجانب الموجودين داخل البلاد بتأشيرات مؤقتة، والراغبين في تعديل وضعهم القانوني للحصول على الإقامة الدائمة أو «البطاقة الخضراء»، سيكون عليهم مغادرة الولايات المتحدة أولاً، ثم تقديم طلباتهم عبر السفارات أو القنصليات الأمريكية في الخارج.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن القرار يمثل انعطافة كبيرة عن سياسة استمرت لعقود، كان بموجبها بوسع كثير من الأجانب التقدم بطلب تعديل وضعهم من داخل الولايات المتحدة، دون الحاجة إلى السفر للخارج وانتظار إجراءات طويلة.
ملايين المتضررين من القرار الجديد
وبحسب الصحيفة، فإن السياسة الجديدة قد تطال عشرات الملايين من حاملي التأشيرات داخل الولايات المتحدة، بمن فيهم الطلاب الدوليون، والعمال المؤقتون، واللاجئون، والحاصلون على أوضاع إنسانية خاصة، إضافة إلى الأزواج الأجانب لمواطنين أمريكيين.
وقال زاك كالر، المتحدث باسم دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية «USCIS»، إن الإدارة «تعود إلى المقصد الأصلي من القانون لضمان أن يسلك الأجانب المسار الصحيح داخل نظام الهجرة الأمريكي».
وأضاف: «اعتباراً من الآن، إذا كان الأجنبي موجوداً في الولايات المتحدة بصورة مؤقتة ويرغب في الحصول على البطاقة الخضراء، فعليه العودة إلى بلده لتقديم الطلب، إلا في ظروف استثنائية».
غموض حول «الظروف الاستثنائية»
وأوضحت «ميدل إيست آي» أن القرار دخل حيز التنفيذ فوراً، لكن طبيعة «الظروف الاستثنائية» التي قد تسمح لبعض الأشخاص بالبقاء داخل الولايات المتحدة أثناء تقديم الطلب لم تتضح بعد.
ويمنح نظام الهجرة الأمريكي موظفي الهجرة والجمارك صلاحيات تقديرية واسعة في التعامل مع الحالات الفردية، ما يزيد من حالة الغموض المحيطة بطريقة تطبيق القرار عملياً.
الإدارة الأمريكية تدافع عن القرار
ودافع المتحدث باسم دائرة الهجرة عن الخطوة، قائلاً إن تقديم الطلبات من البلد الأصلي «يقلل الحاجة إلى ملاحقة وإزالة من يقررون الاختفاء داخل الولايات المتحدة بعد رفض طلباتهم».
كما اعتبر أن إحالة جزء أكبر من الملفات إلى القنصليات الأمريكية في الخارج يسمح بتوجيه الموارد إلى ملفات أخرى، مثل قضايا ضحايا الجرائم العنيفة والاتجار بالبشر وطلبات التجنيس.
مخاوف من تفكيك العائلات
لكن الصحيفة البريطانية أشارت إلى أن التقديم من خارج الولايات المتحدة يعني عملياً الدخول في طوابير انتظار أطول قد تمتد لسنوات، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان وظائف، أو فصل الأزواج عن بعضهم، أو إبعاد أفراد العائلات عن أقاربهم الأمريكيين. وفي بعض الدول، مثل روسيا، يبقى الوضع أكثر تعقيداً بسبب تعليق الخدمات القنصلية الأمريكية بالكامل.
تشديد متواصل منذ عودة ترامب
ويأتي القرار في وقت تواصل فيه إدارة ترامب تشديد سياساتها تجاه الهجرة القانونية وغير القانونية منذ عودتها إلى السلطة في يناير 2025.
وبحسب «ميدل إيست آي»، ألغت وزارة الخارجية الأمريكية ما لا يقل عن 85 ألف تأشيرة خلال عام 2025، في مؤشر على اتساع نطاق القيود الجديدة.
محامو الهجرة يهاجمون القرار
وسارع محامو الهجرة إلى انتقاد القرار، مؤكدين أنه لا يمس المهاجرين وحدهم، بل يؤثر أيضاً على مواطنين أمريكيين متزوجين من أجانب يقيمون بصورة قانونية داخل البلاد.
وكتب المحامي أدريان بانديف أن القضية «لا تتعلق بحقوق المهاجرين فقط، بل بالمواطنين الأمريكيين أيضاً»، موضحاً أن نحو 21% من الأسر الأمريكية تضم شريكاً مولوداً خارج الولايات المتحدة.
وأضاف أن تعديل الوضع من داخل البلاد كان المسار القانوني الطبيعي الذي يسمح للأزواج بالحصول على الإقامة الدائمة دون مغادرة الولايات المتحدة.
جدل قانوني حول القرار
من جهته، أشار المحامي ستيفن براون إلى أن آلية تعديل الوضع أُقرت منذ خمسينيات القرن الماضي بهدف دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على وحدة الأسرة وتخفيف أعباء السفر والإجراءات القنصلية.
وتوقعت الصحيفة أن يواجه القرار طعوناً قضائية سريعة، خصوصاً أن الإدارات الجمهورية والديمقراطية طبقت هذا النظام لعقود، وأيدته المحاكم الأمريكية في أكثر من مناسبة.
وقالت الجمعية الأمريكية لمحامي الهجرة إن محاولة تغيير هذا المسار عبر مذكرة إدارية «تفتح الباب أمام فوضى غير ضرورية».
الأفغان والإيرانيون الأكثر قلقاً
وامتدت المخاوف إلى الفئات الإنسانية الحساسة، خصوصاً الأفغان الذين دخلوا الولايات المتحدة بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان عام 2021.
وقالت منظمة «AfghanEvac» إن القرار يستهدف فعلياً الأشخاص الذين دخلوا عبر برامج الإفراج الإنساني، مؤكدة أن البديل المطروح «غير موجود» بسبب غياب سفارة أمريكية داخل أفغانستان.
كما أعرب المجلس الوطني الإيراني الأمريكي عن قلقه من القرار، واصفاً إياه بأنه «فخ» للإيرانيين المقيمين قانونياً داخل الولايات المتحدة.
وقال رئيس المجلس جمال عبدي إن الإدارة الأمريكية تقول للإيرانيين عملياً: «غادروا، وبمجرد أن تفعلوا ذلك، لن تعودوا».
مستقبل غامض للهجرة القانونية
وبينما تؤكد إدارة ترامب أن القرار يهدف إلى جعل نظام الهجرة الأمريكي «أكثر عدالة وكفاءة»، يرى محامون ومنظمات حقوقية أنه يضرب أحد أهم مسارات الهجرة القانونية في الولايات المتحدة.
ويضع القرار آلاف العائلات والطلاب والعمال والحالات الإنسانية أمام خيار صعب: مغادرة البلاد مع خطر عدم العودة، أو البقاء داخل الولايات المتحدة ومواجهة مستقبل قانوني غامض.
اقرأ المزيد
أسرع قرار ترحيل في تاريخ الهجرة الأميركية.. ما الذي تخفيه قضية طالب جامعة كولومبيا محمود خليل؟
مأساة السجين محمد عمر خالد: كيف تحول سجن بريطاني إلى ساحة تعذيب لمرضى “الحثل العضلي”؟

