وطن-في مشهد بدا بسيطاً وعفوياً، تحوّل كيس صغير من حلوى «بارلي ميلودي» إلى حديث واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما قدّمه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال زيارته إلى روما. الهدية التي حملت طابع الدعابة بين الزعيمين أشعلت التفاعل الرقمي، ورفعت الطلب على الحلوى داخل الهند، بل وامتد تأثيرها إلى بورصة بومباي، حيث ارتفعت أسهم شركة تحمل اسم «بارلي» رغم أنها ليست الشركة المنتجة للحلوى.
وقالت صحيفة «فيرست بوست» الهندية إن ما حدث أعاد تسليط الضوء على حلوى متواضعة تعود إلى عام 1983، لكنها باتت فجأة في قلب ما يمكن وصفه بـ«الدبلوماسية الحلوة» بين الهند وإيطاليا، خاصة في ظل الشهرة التي اكتسبها وسم «ميلودي» الذي يجمع بين اسمي ميلوني ومودي.
وبحسب الصحيفة، فإن عام 2026 بدا حتى الآن عاماً محكوماً بموجة قوية من الحنين إلى الماضي. ففي زمن السرعة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي، يتجه كثيرون، خصوصاً من أبناء الجيل «زد»، إلى استعادة ملامح قديمة من الحياة اليومية، من الهواتف التقليدية إلى أزياء الألفية الأولى، مروراً بالتصاميم والمظاهر ذات الطابع الكلاسيكي. ويبدو أن هذه الموجة لم تبقَ حبيسة الشباب ومنصات التواصل، بل وصلت أيضاً إلى دوائر السياسة العالمية.
وسط هذه الأجواء، اختار مودي أن يقدم إلى «صديقته» جورجيا ميلوني كيساً من حلوى «ميلودي» الشهيرة في الهند. الهدية كانت في ظاهرها مزحة لطيفة تلمّح إلى العلاقة الودية بين الزعيمين، لكنها سرعان ما تحولت إلى ظاهرة رقمية واسعة، أعادت إلى كثير من الهنود ذكريات الطفولة، حين كانت هذه الحلوى الطرية المحشوة بالشوكولاتة تباع في محال الأحياء وعلى أبواب المدارس.
وأضافت صحيفة «فيرست بوست» أن قوة المشهد لم تكن في قيمة الهدية، بل في رمزيتها. فحلوى «ميلودي» ليست منتجاً جديداً أو فاخراً، بل قطعة حلوى شعبية عرفتها أجيال متعاقبة في الهند، وكانت تباع في وقت من الأوقات بروبية واحدة فقط، ما جعلها جزءاً من الذاكرة اليومية لملايين الأطفال.
قبل أن تدخل «ميلودي» إلى قاموس العلاقات الدبلوماسية على يد مودي، كانت مجرد حلوى هادئة على رفوف البقالات الصغيرة في مختلف المدن والقرى الهندية. وتعود بدايتها إلى شركة «بارلي برودكتس برايفت ليميتد»، التي أسستها عائلة تشوهان في منطقة فيلي بارلي عام 1929، قبل أن تطلق حلوى «ميلودي» عام 1983 في محاولة لاختراق سوق الحلويات الهندية الذي كان يتوسع بسرعة في ذلك الوقت.
وكشفت الصحيفة أن سوق الشوكولاتة في الهند خلال تلك المرحلة كان لا يزال مرتبطاً بفكرة الرفاهية وارتفاع السعر. كان الأطفال يرغبون في تناول ألواح الشوكولاتة، لكنها لم تكن دائماً في متناولهم. ومن هنا جاءت فكرة «بارلي» في تقديم حلوى تجمع بين غلاف من الكراميل الطري وقلب داخلي من الشوكولاتة السائلة، وبسعر بسيط يناسب المستهلك العادي.
لكن نجاح «ميلودي» لم يكن سهلاً منذ البداية. فقد واجهت الحلوى منافسة قوية من منتجات أخرى، من بينها حلوى «إكليرز» التابعة لـ«كادبوري». عندها استعانت «بارلي» بوكالة الإعلانات «إيفرست» لتطوير صورة المنتج في السوق، مع التركيز على نقطة قوته الأساسية: كمية الشوكولاتة داخل الحلوى، من دون الدخول في مقارنة مباشرة مع المنافسين.
وبحسب ما أوردته «فيرست بوست»، تولى المدير الإبداعي هاريش مورجاني وكاتبة الإعلانات سوليخا باجباي مهمة ابتكار الحملة. وجاءت الفكرة الحاسمة بطريقة عفوية، حين كانت باجباي تنقح بعض الجمل الإعلانية في ردهة مقر «بارلي» قبل عرض الفكرة. عندها خرج الشعار الذي أصبح لاحقاً جزءاً من الذاكرة الإعلانية الهندية:
«كيف امتلأت ميلودي بكل هذه الشوكولاتة؟»
وجاءت الإجابة الشهيرة:
«تناول ميلودي.. وستعرف بنفسك».
ثم عززت الحملة أغنية إعلانية قصيرة أصبحت بدورها مألوفة لدى الجمهور: «ميلودي شوكولاتية.. ميلودي شوكولاتية». ومنذ ذلك الحين، لم تعد الحلوى مجرد منتج في السوق، بل تحولت إلى علامة ذات حضور عاطفي قوي، مرتبطة بالطفولة والبساطة وذكريات المتاجر الصغيرة.
أما في السياسة، فقد ساعدت العلاقة الودية بين مودي وميلوني على منح «ميلودي» حياة جديدة. فالعلاقة بين رئيس الوزراء الهندي ونظيرته الإيطالية حظيت منذ فترة باهتمام واسع على الإنترنت، خصوصاً بعد انتشار وسم «ميلودي»، وهو وسم تعامل معه الزعيمان نفسيهما بروح مرحة.
وأشارت صحيفة «فيرست بوست» إلى أن ميلوني سبق أن شاركت خلال قمة مجموعة السبع في يونيو 2024 صورة «سيلفي» ومقطع فيديو مع مودي، وقد حقق المقطع انتشاراً واسعاً. وفي الفيديو، ظهرت رئيسة الوزراء الإيطالية وهي تقول للكاميرا: «مرحباً من فريق ميلودي»، في إشارة مباشرة إلى الوسم الذي صنعه المستخدمون على منصات التواصل.
لذلك، عندما وصل مودي إلى إيطاليا هذا الأسبوع ضمن جولته الأوروبية، كان كثيرون يترقبون ظهوراً جديداً لهذه الصداقة السياسية ذات الطابع الرقمي. وبالفعل، انتشرت صور للزعيمين في محيط الكولوسيوم في روما، كما ظهرا في مشاهد عفوية بينها مشاركة السيارة، غير أن اللحظة التي خطفت الاهتمام كانت تقديم مودي كيس حلوى «بارلي ميلودي» إلى ميلوني.
ونشرت ميلوني مقطعاً عبر «إنستغرام» ظهر فيه مودي وهو يحمل كيس الحلوى، بينما تبادل الزعيمان الضحك حول المزحة. وفي غضون ساعات، انتقل المنتج من رفوف المتاجر إلى صدارة النقاش على الإنترنت، وتحولت «ميلودي» إلى رمز جديد لما وصفه مستخدمون بـ«دبلوماسية الكراميل».
وأضافت الصحيفة أن موجة من الصور الساخرة اجتاحت مواقع التواصل، إذ أعاد مستخدمون تصميم غلاف حلوى «ميلودي» بإضافة وجهي مودي وميلوني، فيما علّق آخرون بأن الهند نجحت في ابتكار شكل جديد من «الدبلوماسية الناعمة»، يقوم هذه المرة على قطعة كراميل محشوة بالشوكولاتة.
ولم يقتصر التأثير على العالم الرقمي. فقد شهدت منصات التجارة السريعة في الهند، مثل «بلينكيت» و«سويغي إنستامارت» و«زيبتو»، ارتفاعاً مفاجئاً في الطلب على الحلوى الشهيرة، إلى حد ظهورها كمنتج غير متاح في مناطق عدة. وانتشرت على الإنترنت لقطات شاشة تظهر نفاد «ميلودي» من بعض التطبيقات، ما عكس حجم التأثير الذي يمكن أن تصنعه لقطة سياسية قصيرة حين تلتقي مع ذاكرة شعبية قوية.
ووفقاً لما أوردته «فيرست بوست»، وصل الهوس بحلوى «ميلودي» أيضاً إلى سوق الأسهم في الهند. فقد ارتفعت أسهم شركة «بارلي إندستريز» في بورصة بومباي بعد انتشار فيديو مودي وميلوني، لكن المفارقة أن هذه الشركة ليست هي المصنعة لحلوى «ميلودي».
فالشركة المنتجة للحلوى هي «بارلي برودكتس»، وهي شركة خاصة غير مدرجة في البورصة، ولا يمكن تداول أسهمها. أما «بارلي إندستريز»، التي توجه إليها بعض المستثمرين على ما يبدو بسبب تشابه الاسم، فهي شركة تعمل في مجالات تطوير البنية التحتية والعقارات، إضافة إلى تجارة الورق ومخلفات الورق ومنتجات إعادة التدوير ذات الصلة، ولا علاقة لها بصناعة الحلوى الشهيرة.
في النهاية، كانت «ميلودي» الرابح الأكبر من كل هذه الضجة. فالحلوى التي عاشت لعقود كمنتج بسيط في ذاكرة الهنود، وجدت نفسها فجأة في قلب مشهد يجمع السياسة والتسويق والحنين إلى الماضي. وبين مزحة مودي وميلوني، ووسم «ميلودي»، ونفاد المنتج من المتاجر الرقمية، أثبتت قطعة كراميل صغيرة أن الرموز الشعبية قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من الهدايا الرسمية الفاخرة.
اقرأ المزيد
بين صراع العمالقة والغموض التكتيكي.. كيف تعيد قمة ترامب وشي رسم طموحات الهند لعام 2050؟
حرب إيران تبعثر أوراق مودي.. كيف منحت الحرب بكين تفوقاً مجانياً على حساب طموح نيودلهي؟
مودي يعلن “تقشف الطاقة” في الهند: وقف شراء الذهب وخفض استهلاك البنزين لمواجهة أزمة هرمز
من الصدام إلى “تقارب الضرورة”: كيف أعادت حروب الطاقة هندسة العلاقة بين مودي وأردوغان؟

