وطن-تتجه الولايات المتحدة وإيران، وفق مؤشرات متزايدة، نحو تفاهم سياسي جديد قد يحوّل وقف إطلاق النار القائم، الذي أنهى أسابيع من التصعيد العسكري، إلى تسوية أكثر استقراراً وطولاً. وعلى الرغم من أن الطرفين يتحدثان عن «مذكرة تفاهم» ترسم خريطة طريق لمعالجة الملفات العالقة، فإن التوصل إلى اتفاق نهائي لا يبدو وشيكاً خلال الساعات الحالية، في ظل استمرار الخلافات حول بنود حساسة تتعلق بمضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني والعقوبات والأصول المجمدة.
وقالت شبكة “سي إن إن” إن واشنطن وطهران تبحثان إطاراً أولياً يهدف إلى تثبيت وقف القتال، على أن تبدأ بعده مرحلة تفاوضية لمعالجة القضايا الأكثر تعقيداً. ولم تتضح بعد الصيغة النهائية لمذكرة التفاهم، لكن الفكرة الأساسية، بحسب الشبكة، تقوم على أن توقيعها سيمنع استئناف الحرب ويفتح الباب أمام تفاوض أوسع.
ويأتي هذا المسار في توقيت ضاغط على الجانبين؛ فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه حسابات سياسية داخلية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، بينما تعاني إيران أزمة اقتصادية خانقة زادتها العقوبات الدولية وتراجع العملة المحلية تعقيداً.
وبحسب ما أوردته “سي إن إن” نقلاً عن مصدر مطلع، فإن النسخ الأخيرة من مذكرة التفاهم التي يبدو ترامب قريباً من إنجازها تتضمن إعادة فتح تدريجية لمضيق هرمز، إلى جانب إنهاء الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية. وبعد ذلك تبدأ فترة زمنية مخصصة لتسوية القضايا العالقة، وفي مقدمتها برنامج إيران النووي ومخزون اليورانيوم المخصب.
وفي واشنطن، لم يمر الحديث عن اتفاق محتمل من دون اعتراضات سياسية. فقد ذكرت “سي بي سي نيوز”، كما تناولت وكالتا “فرانس برس” و”أسوشيتد برس”، أن عدداً من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، من بينهم تيد كروز وتوم تيليس، شككوا في تقارير تحدثت عن اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً مع إيران. ورغم أن مسؤولاً في إدارة ترامب قال إن البلدين اتفقا على المبادئ العامة، فإن الشروط النهائية، خصوصاً ما يتعلق بالسلاح النووي، لا تزال مفتوحة.
خلافات داخلية حول مذكرة التفاهم
في المقابل، أبدت وسائل إعلام إيرانية رسمية وشبه رسمية حذراً واضحاً تجاه فرص توقيع المذكرة. وقالت وكالة تسنيم الإيرانية شبه الرسمية، الأحد، إن الخلافات لا تزال قائمة بشأن «بند أو بندين» في مذكرة التفاهم المحتملة، ما يعني أن الإعلان عن الاتفاق ليس مضموناً بعد.
وكان ترامب قد صرّح بأن الاتفاق «جرى التفاوض حوله إلى حد كبير»، لكنه عاد ليؤكد أن الولايات المتحدة لن تتعجل توقيع أي تفاهم مع طهران. وكتب على منصته «تروث سوشيال» أنه «إذا» أبرم اتفاقاً مع إيران، فسيكون مختلفاً تماماً عن الاتفاق الذي وقعه الرئيس الأسبق باراك أوباما.
وقال ترامب إن أي اتفاق جديد سيكون «جيداً ومناسباً»، وليس مثل الاتفاق السابق الذي اعتبر أنه منح إيران «طريقاً واضحاً ومفتوحاً نحو سلاح نووي». وبحسب ما نقلته “سي إن إن”، فإن الرئيس الأمريكي يسعى إلى تقديم الاتفاق المرتقب بوصفه نقيضاً للاتفاق النووي السابق، رغم أن تفاصيله لم تُعرض بعد بشكل واضح للرأي العام.
مضيق هرمز.. نقطة الاختبار الأولى
يُعد مضيق هرمز أحد أبرز الملفات المطروحة في المفاوضات، نظراً لأهميته الاستراتيجية في حركة التجارة والطاقة العالمية. وكان ترامب قد كتب، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي مساء السبت، أن الممر البحري الحيوي سيُعاد فتحه بموجب مذكرة التفاهم.
لكن وسائل إعلام إيرانية عدة، بينها منصات قريبة من الحرس الثوري الإيراني، أكدت الأحد أن المضيق سيظل تحت إشراف إيران. ووفق هذه الرواية، ستسمح طهران خلال فترة تمتد إلى 30 يوماً بعودة حركة الملاحة إلى مستويات ما قبل الحرب، من دون أن يعني ذلك تخليها عن سيادتها أو مطالبها المرتبطة بالممر البحري.
وقالت “سي إن إن”، إن إيران تطالب في المقابل برفع الحصار الأمريكي عن موانئها في التوقيت نفسه. غير أن ترامب كتب الأحد أن «الحصار سيبقى سارياً بالكامل وبكل قوة إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق واعتماده وتوقيعه»، في إشارة بدت مرتبطة بالاتفاق النهائي لا بمذكرة التفاهم الأولية.
وشددت وسائل الإعلام الإيرانية على أن فتح المضيق أمام الملاحة التجارية لا يعني أن طهران تتراجع عن مطالبها التي طرحتها خلال الحرب. وبعبارة أخرى، تبدو إيران مستعدة للسماح بعودة حركة السفن التجارية إلى مستوياتها السابقة، لكنها تريد في الوقت نفسه الاحتفاظ بدرجة أكبر من التحكم في المرور عبر المضيق مقارنة بما كان عليه الوضع قبل اندلاع النزاع.
ونقلت “سي إن إن”، عن مصدر إيراني قوله إن «المضيق مفتوح بالفعل، لكن التنسيق مع الجهات الإيرانية المعنية يجب أن يتم لضمان العبور الآمن». كما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن «مضيق هرمز لا علاقة له بأمريكا»، معتبراً أن المسألة تخص إيران والدول الساحلية، وخصوصاً سلطنة عمان.
وخلال فترة النزاع، قالت طهران إن لها الحق في فرض رسوم على السفن التجارية العابرة للمضيق، وهو طرح أثار قلقاً واسعاً لدى الدول المعتمدة على هذا الطريق البحري الحيوي.
البرنامج النووي واليورانيوم المخصب
يبقى البرنامج النووي الإيراني الملف الأكثر حساسية في أي تفاهم محتمل بين واشنطن وطهران. وذكرت CNN أن الاتفاق المحتمل يتضمن التزام إيران بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، إلى جانب دخولها في مفاوضات بشأن التخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، ووقف أي عمليات تخصيب جديدة.
غير أن المسؤولين الإيرانيين يؤكدون أن النقاش حول اليورانيوم لن يبدأ إلا بعد الاتفاق على مذكرة تنهي الحرب. وقال إسماعيل بقائي إن «القضايا النووية لا تُناقش في هذه المرحلة»، في إشارة إلى أن طهران تريد أولاً ضمان وقف شامل للقتال قبل الدخول في تفاصيل الملف النووي.
من جانبها، قالت وكالة “فارس الإيرانية” شبه الرسمية إن إيران لم تقدم، ضمن هذا الاتفاق، أي التزامات تتعلق بتسليم مخزوناتها النووية أو إزالة معدات أو إغلاق منشآت أو حتى التعهد بعدم إنتاج قنبلة نووية. ويعكس هذا الموقف محاولة إيرانية لعدم إظهار أي تنازل مبكر قبل ضمان مكاسب ملموسة في ملفات العقوبات والأصول المجمدة.
وبحسب ما أوردته “سي إن إن”، يصر ترامب على أن إيران، بطريقة أو بأخرى، يجب أن تتخلى عن أكثر من 400 كيلوغرام، أي نحو 900 رطل، من اليورانيوم عالي التخصيب الذي تمتلكه. ويُعتقد أن جزءاً كبيراً من هذا المخزون دُفن بعد الضربات الأمريكية التي استهدفت إيران العام الماضي.
ولا يُتوقع أن تتضمن مذكرة التفاهم الأولية تفاصيل موسعة بشأن التخصيب، ما يعني أن إيجاد صيغة مقبولة للطرفين سيبقى أحد أصعب التحديات أمام أي اتفاق شامل. وكان ترامب قد اعتبر البرنامج النووي الإيراني سبباً رئيسياً للهجوم، وسبق أن قال إن تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاماً سيكون أمراً مقبولاً.
الأصول الإيرانية المجمدة
على المستوى الاقتصادي، تضغط إيران بقوة من أجل الإفراج السريع عن مليارات الدولارات من أصولها المجمدة في مصارف خارجية. وتعاني البلاد من أزمة اقتصادية حادة، في وقت سجل فيه الدولار مستويات مرتفعة في السوق المفتوحة، ما ضاعف الضغوط على المواطنين الإيرانيين.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إنه «في بداية هذه العملية يجب توضيح وضع الإفراج عن الأصول المحجوبة». وبحسب وكالة تسنيم، نقلاً عن مصدر مطلع، فإن «عدم الإفراج عن جزء محدد من الأصول الإيرانية المجمدة في هذه الخطوة الأولى، إلى جانب وجود آلية واضحة ومضمونة للإفراج المستمر عن جميع الأصول، يعني أنه لن يكون هناك اتفاق».
لكن مسؤولاً كبيراً في الإدارة الأمريكية قال لـ”سي إن إن”، إن الإفراج عن الأصول الإيرانية لن يحدث إلا بعد إعادة فتح مضيق هرمز. وحتى الآن، لم تقدم واشنطن التزاماً واضحاً بشأن كيفية إعادة هذه الأموال الموجودة في عدة بنوك أجنبية إلى طهران.
العقوبات الاقتصادية.. ملف مؤجل بشروط
إلى جانب الأصول المجمدة، تمثل العقوبات الدولية المفروضة على إيران أحد الملفات الرئيسية التي تسعى طهران إلى إدراجها في أي تفاهم قادم. وتتعرض إيران لحزمة واسعة من العقوبات، معظمها أمريكية وأوروبية، أثرت بشكل مباشر في صادرات النفط والاستثمارات والتحويلات المالية.
وقال بقائي إن رفع العقوبات «لن يُناقش ضمن هذا الإطار الزمني القصير»، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن «مطلب إيران برفع جميع العقوبات مذكور صراحة في النص». وأضاف أن التفاصيل يجب أن تُبحث بعد الانتهاء من مذكرة التفاهم، في إشارة إلى أن تعليق العقوبات أو رفعها قد يرتبط لاحقاً بالتقدم في الملف النووي.
وذكرت وكالة فارس أن إيران تقدر أن رفع العقوبات عن مبيعات النفط وحدها قد يوفر للحكومة نحو 10 مليارات دولار خلال فترة 60 يوماً. غير أن مسؤولاً أمريكياً قال لـ”سي إن إن” إن العقوبات المفروضة على إيران لن تُرفع إلا بعد فتح مضيق هرمز وعودته للعمل بشكل كامل.
الصواريخ الباليستية ومخاوف المنطقة
خلال فترة النزاع، قال مسؤولون أمريكيون إن الصواريخ الباليستية الإيرانية بعيدة المدى يجب أن تُدمّر. كما صرح ترامب بأن برنامج إيران للصواريخ الباليستية التقليدية «كان ينمو بسرعة وبشكل كبير».
ومع ذلك، تراجع الحديث في الأيام الأخيرة عن إدراج الترسانة الصاروخية ضمن المفاوضات الأوسع، رغم أن إسرائيل ودولاً خليجية عربية تنظر إلى هذا الملف باعتباره خطراً عاجلاً لا يقل أهمية عن البرنامج النووي. وبحسب مراقبين، قد تؤجل واشنطن وطهران هذا الملف إلى مراحل لاحقة تجنباً لتعقيد مذكرة التفاهم الأولية.
لبنان وحزب الله.. جبهة غامضة في الاتفاق
لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الاتفاق المحتمل سيشمل النزاع بين إسرائيل وحزب الله المدعوم من إيران في لبنان. وذكرت وكالة تسنيم الأحد أن صياغة مذكرة التفاهم تشير إلى «إعلان نهاية الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان».
غير أن الموقف الإسرائيلي يبدو مختلفاً. فقد نقلت CNN عن مسؤول إسرائيلي أن ترامب أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعمه لرغبة إسرائيل في «الحفاظ على حرية العمل ضد التهديدات على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان».
وقال المسؤول الإسرائيلي إن نتنياهو أكد، خلال اتصال مع ترامب مساء السبت، أن إسرائيل ستحتفظ بحرية التحرك ضد التهديدات في مختلف الساحات، بينما أعاد الرئيس الأمريكي التأكيد على دعمه لهذا المبدأ. ويعني ذلك أن إدراج لبنان في صيغة وقف شامل للحرب قد يظل موضع خلاف، خصوصاً مع استمرار التوترات والضربات في الجنوب اللبناني.
نهاية حرب أم بداية تفاوض طويل؟
ختاماً، تبدو مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية أقرب إلى بوابة سياسية لوقف الحرب منها إلى اتفاق نهائي يحسم كل الملفات. فالقضايا الكبرى، من البرنامج النووي إلى العقوبات ومضيق هرمز والأصول المجمدة والصواريخ الباليستية ولبنان، لا تزال بحاجة إلى مفاوضات شاقة وضمانات متبادلة.
ونقلت “سي إن إن” عن مصدر إيراني قوله إن طهران مستعدة لـ«اتفاق عادل ومتوازن»، مضيفاً أن «الأهم بالنسبة لنا هو أن تنتهي الحرب نهائياً في الشرق الأوسط كله».
وبين رغبة واشنطن في ضمانات نووية وأمنية صارمة، وسعي طهران إلى رفع الحصار والعقوبات واستعادة أموالها المجمدة، يبقى الاتفاق المرتقب اختباراً صعباً لقدرة الطرفين على تحويل وقف إطلاق النار الهش إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
اقرأ المزيد
مضيق هرمز مقابل العقوبات.. كواليس مقترح الـ 14 بنداً لإنهاء الحصار البحري عن إيران
مجتبى خامنئي يتحدى ترامب ويرفض إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من إيران
كواليس الاتفاق المثير.. كيف تحولت مفاوضات ترامب وإيران إلى معركة للسيطرة على مضيق هرمز؟

