وطن-في تطور غير مسبوق داخل المحكمة الجنائية الدولية، قرر مكتب جمعية الدول الأطراف تعليق عمل المدعي العام للمحكمة كريم خان “بأثر فوري”، رغم رأي لجنة قضائية مستقلة خلص إلى عدم وجود أدلة تثبت ارتكابه مخالفة أو إخلالاً بواجباته.
وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني إن غالبية مؤهلة داخل المكتب التنفيذي لجمعية الدول الأطراف، المكوّن من 21 عضواً، أوصت باعتبار ما نُسب إلى خان “سوء سلوك جسيماً”، في خطوة تمهّد لطرح الملف أمام الجمعية العامة للدول الأطراف لاتخاذ القرار النهائي بشأن مصيره.
وبحسب بيان رسمي صدر في وقت متأخر من مساء الاثنين، فإن قرار تعليق المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية جاء استناداً إلى القاعدة 28 من قواعد الإجراءات والإثبات، والتي تتيح للمكتب رفع توصية إذا صوّت ثلثا الأعضاء الحاضرين والمشاركين لمصلحة وجود “سوء سلوك جسيم”.
وأوضح البيان أن القرار لا يمثل النتيجة النهائية للإجراءات التأديبية، مؤكداً أن مكتب الجمعية قرر الدعوة إلى جلسة خاصة لجمعية الدول الأطراف في أقرب وقت ممكن للنظر في القضية واتخاذ القرار المختص.
وأضاف موقع “ميدل إيست آي” أن تقييم المكتب استند إلى تقرير تحقيق أعده مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة، إضافة إلى الأدلة المرفقة، ورأي لجنة خاصة من خبراء قضائيين، ومذكرات مكتوبة قُدمت ضمن الإجراءات.
وأشار البيان إلى أن قرار المكتب والوثائق المرتبطة به ستبقى سرية، داعياً إلى احترام خصوصية وحقوق جميع الأطراف المعنية، والحفاظ على نزاهة العملية الجارية.
ووفق قواعد جمعية الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية، فإن أي قرار بإثبات سوء السلوك يتطلب موافقة ثلثي الدول الحاضرة والمصوتة داخل الجمعية. وإذا أيدت الجمعية توصيف المخالفة بأنها “سوء سلوك جسيم”، فسيُعقد تصويت ثانٍ بشأن عزل المدعي العام.
وبحسب ما أورده “ميدل إيست آي”، فإن عزل كريم خان يتطلب أغلبية مطلقة من أعضاء جمعية الدول الأطراف البالغ عددهم 125 عضواً، أي الحصول على 63 صوتاً على الأقل.
وفي أول رد من فريقه القانوني، رفض محامو كريم خان قرار المكتب “بأشد العبارات”، معتبرين أنه “غير قانوني، ويفتقر إلى العدالة الإجرائية، ولا يستند إلى أدلة”.
وقال فريق الدفاع إن القرار تجاهل الاستنتاج بالإجماع الذي توصلت إليه اللجنة القضائية المستقلة التي عيّنها المكتب نفسه، والتي رأت أن الوقائع التي خلص إليها تحقيق الأمم المتحدة “لا تثبت سوء سلوك أو إخلالاً بالواجب بموجب الإطار القانوني المعمول به”.
وأضاف محامو خان، وفق ما نقلت الصحيفة، أن “هذا الاستنتاج كان ينبغي أن ينهي المسألة”، لكن “هيئة تنفيذية وسياسية حاولت استبدال تقييمها بتقييم القضاة المستقلين الذين عيّنتهم بنفسها”. وأكد الفريق القانوني أنه سيتخذ كل الخطوات اللازمة للطعن في القرار وحماية حقوق خان وضمان احترام الإجراءات القانونية الواجبة.
وكان “ميدل إيست آي” قد كشف في مارس الماضي أن لجنة من القضاة عيّنها مكتب جمعية الدول الأطراف خلصت إلى أن تحقيق الأمم المتحدة لم يثبت ارتكاب كريم خان أي مخالفة.
لكن بعد أسابيع قليلة، أيدت غالبية أعضاء المكتب مقترحاً بتجاهل تقرير القضاة، في إشارة إلى أن خان ربما يكون قد ارتكب شكلاً من أشكال سوء السلوك. وحذر خبراء قانونيون من أن تجاهل رأي القضاة قد يدفع التحقيق التأديبي نحو مسار سياسي، ويثير تساؤلات حول استقلالية الإجراءات داخل المحكمة الجنائية الدولية.
وتسببت هذه القضية في إدخال المحكمة في حالة غير مسبوقة من الغموض، وسط ضبابية حول مستقبل كريم خان، وتسريبات إعلامية متواصلة بشأن الاتهامات الموجهة إليه.
وتعود الاتهامات إلى مايو 2024، عندما ظهرت مزاعم تتعلق بسوء سلوك جنسي، وهي اتهامات نفى خان صحتها بشدة. ورفضت مقدمة الشكوى التعاون مع جهاز التحقيق الداخلي في المحكمة الجنائية الدولية، ما دفع جمعية الدول الأطراف إلى تكليف جهة خارجية بإجراء تحقيق تقوده الأمم المتحدة.
وبحسب ما ذكره “ميدل إيست آي”، فقد أُحيلت نتائج تحقيق الأمم المتحدة لاحقاً إلى لجنة من ثلاثة قضاة، كُلفوا بتقديم رأي إلى مكتب الجمعية بشأن ما إذا كان خان قد ارتكب سوء سلوك جسيماً، أو مخالفة أقل خطورة، أو لم يرتكب أي مخالفة على الإطلاق.
وفي تقرير اطلع عليه الموقع البريطاني، خلصت اللجنة القضائية بالإجماع إلى أن الوقائع المعروضة في تحقيق الأمم المتحدة “لا تثبت سوء سلوك أو إخلالاً بالواجب بموجب الإطار ذي الصلة”.
وكان كريم خان قد قال في مقابلة مع “ميدل إيست آي” الشهر الماضي إنه في حال سعت جمعية الدول الأطراف إلى عزله، فسيتقدم باستئناف أمام المحكمة الإدارية لمنظمة العمل الدولية، وهي الجهة التي يمكن لموظفي المحكمة الجنائية الدولية اللجوء إليها للطعن في قرارات التوظيف والإجراءات الإدارية.
وفي رأي قانوني وُزّع على الدول الأعضاء في المحكمة الشهر الماضي، قال عبد الكريم كوروما، القاضي السابق في محكمة العدل الدولية، إن المحكمة الجنائية الدولية قد تواجه أمراً من المحكمة الإدارية لمنظمة العمل الدولية بإعادة خان إلى منصبه، ودفع تعويضات قد تصل إلى 1.5 مليون يورو، أي نحو 1.74 مليون دولار، إذا قررت الهيئة الحاكمة للمحكمة عزله أو فرض عقوبات عليه.
وتأتي التطورات المتعلقة بكريم خان بالتوازي مع حملة تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها لتعطيل جهود مكتبه في متابعة تحقيقات جرائم الحرب ضد مسؤولين إسرائيليين على خلفية الحرب في غزة، وفق ما أوردته الصحيفة.
ويُعد كريم خان، وهو محامٍ بريطاني، ثالث شخص يتولى منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية منذ تأسيسها عام 2002. وقد انتخبته جمعية الدول الأطراف في فبراير 2021، وتولى منذ ذلك الحين ملفات حساسة تتعلق بجرائم دولية خطيرة منسوبة إلى قادة ومسؤولين حول العالم.
وشملت تحركات مكتبه طلبات إصدار مذكرات توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقادة المجلس العسكري في ميانمار، ومسؤولي حركة طالبان في أفغانستان.
وبحسب “ميدل إيست آي”، أثار عمل خان ردود فعل انتقامية، من بينها عقوبات فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في فبراير 2025، إلى جانب محاكمة غيابية ومذكرة توقيف صادرة عن محاكم روسية بحقه.
ولا تُعد الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن المحكمة تملك ولاية قضائية على الجرائم التي يرتكبها رعايا هذه الدول داخل أراضي دول أعضاء في المحكمة.
ولاحقاً، توسعت العقوبات الأميركية لتشمل نائبين للمدعي العام، وثمانية قضاة في المحكمة الجنائية الدولية شاركوا في ملفات فلسطين وأفغانستان، إضافة إلى المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين، ومنظمات فلسطينية غير حكومية قدمت أدلة إلى المحكمة.
ويفتح قرار تعليق كريم خان مرحلة شديدة الحساسية داخل المحكمة الجنائية الدولية، إذ ستحدد جلسة جمعية الدول الأطراف المقبلة ما إذا كانت الأزمة ستنتهي بإعادة تثبيت المدعي العام في موقعه، أم ستتجه إلى تصعيد قانوني ومؤسسي قد يترك أثراً عميقاً على واحدة من أبرز المؤسسات القضائية الدولية.
قد يعجبك
تصفية حسابات أم تسييس مبرمج؟.. النمسا وأوسلو تفتحان النار على محاولات الإطاحة بـ “كريم خان”!
تعويض بـ 1.5 مليون يورو وعودة للمنصب.. قاضٍ دولي يفجّر مفاجأة ويدافع عن كريم خان

