وطن-في الوقت الذي تطالب فيه إيران بإغلاق القواعد العسكرية الأميركية في الخليج ضمن أي اتفاق طويل الأمد لوقف إطلاق النار، تبدو واشنطن أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد رفض الطلب الإيراني أو قبوله. فالحرب الصاروخية وحرب المسيّرات كشفتا، بحسب مسؤولين وخبراء أميركيين، أن القواعد الأميركية الكبيرة والثابتة في المنطقة لم تعد تتمتع بالحصانة نفسها التي بنت عليها الولايات المتحدة استراتيجيتها لعقود.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن الولايات المتحدة أنشأت في عام 2022 قاعدة عسكرية قرب مدينة ينبع على ساحل البحر الأحمر السعودي، قبل أن يتزايد النشاط فيها خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بعدما تعرضت قواعد أميركية أقرب إلى السواحل الإيرانية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
ونقلت الصحيفة عن عباس دحوك، الملحق العسكري والدفاعي الأميركي السابق لدى السعودية، قوله إن الهدف الأساسي من قاعدة LSA Jenkins، وهي منطقة دعم لوجستي قرب ينبع، هو دعم الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران عبر توفير “عمق استراتيجي” بعيداً عن المدى المباشر للصواريخ الإيرانية.
القواعد الأميركية في الخليج تحت الضغط
وعلى الرغم من أن واشنطن لا تبدو مستعدة للاستجابة لمطلب طهران بإغلاق قواعدها العسكرية في المنطقة، فإن فعالية الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، مدعومة بحسب ما أوردته ميدل إيست آي بمعلومات من أقمار صناعية صينية وروسية، أعادت فتح النقاش داخل الدوائر الأميركية حول مستقبل القواعد الضخمة والثابتة في الخليج.
وبحسب مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين تحدثوا للصحيفة، فإن الولايات المتحدة قد لا تكون متحمسة أصلاً للعودة إلى بعض القواعد التي تطالب إيران بخروجها منها، بعدما أثبتت الحرب أن هذه المنشآت أصبحت أهدافاً كبيرة ومكشوفة في عصر المسيّرات والصواريخ الدقيقة.
وفي السياق نفسه، نقلت وكالة بلومبرغ عن ديفيد بترايوس، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي إيه” والقائد السابق للقوات الأميركية في الشرق الأوسط، قوله إن الولايات المتحدة “لم تعد مائلة كما في السابق إلى شغل هذه القواعد”، بعدما شاهدت ما تستطيع إيران إطلاقه باتجاهها. وأضاف أن حجم التهديد الحالي يفوق بكثير ما كان قائماً عندما كان يقود القيادة المركزية الأميركية.
وأشار بترايوس إلى أن قائد القيادة المركزية الأميركية لم يتصرف كما اعتاد أسلافه، الذين كانوا يحرصون على الوجود في المنطقة الزمنية نفسها مع قواتهم، بل أدار الحرب من خارج مدينة تامبا في ولاية فلوريدا، حيث مقر القيادة المركزية الأميركية.
الهجمات الإيرانية تكشف هشاشة القواعد الثابتة
تُعد القواعد الأميركية في الخليج بطبيعتها، أهدافاً ثابتة وكبيرة. وقد تعززت هذه الصورة مجدداً عندما تعرض وقف إطلاق النار الهش بين واشنطن وطهران للضغط، واندلعت جولة جديدة من القتال، وفق ما ذكرت ميدل إيست آي.
وفي ردها على هجمات أميركية، أطلقت إيران ضربات باتجاه الكويت. وقالت القيادة المركزية الأميركية إنها اعترضت جميع الصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران على قواعدها، غير أن صوراً التقطتها الأقمار الصناعية ونشرتها شركة Soar Atlas أظهرت تدمير ملجأ داخل قاعدة علي السالم الجوية. كما تعرضت إحدى صالات مطار الكويت الدولي لأضرار واسعة، فيما قالت إيران إن الضرر نجم عن صاروخ باتريوت أميركي خرج عن مساره.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين أن تمركز الولايات المتحدة في قواعد داخل الكويت بات عملياً “غير قابل للاستمرار” بالشكل الحالي، خصوصاً في ظل قربها الجغرافي من مسارح التهديد الإيراني ومن مناطق نفوذ جماعات مسلحة عراقية.
هل تراجع زمن القواعد الأميركية الكبرى؟
قال مارك كانسيان، الخبير العسكري البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، لـ ميدل إيست آي إن الحرب كشفت هشاشة كل القواعد الثابتة، موضحاً أن الولايات المتحدة تعيد تقييم انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، وأن تغييرات محتملة قد تطال حجم هذه القواعد وطبيعة عملها.
وأضاف كانسيان أن تقليص نطاق بعض القواعد الأميركية في الخليج لم يعد أمراً مستبعداً، في ضوء كلفة الدفاع عنها وحجم المخاطر التي تواجهها في حرب تعتمد على الصواريخ الباليستية والمسيّرات بعيدة المدى.
وبحسب ما أوردته الصحيفة نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومحلل تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، فإن الوجود العسكري الأميركي المستقبلي في الشرق الأوسط قد يصبح أقرب إلى نموذج قاعدة ينبع: منشآت أصغر حجماً، أبعد عن إيران، وأقل عرضة لأن تكون أهدافاً سهلة ومباشرة.
نماذج مختلفة للوجود الأميركي في الخليج
تمتلك الولايات المتحدة اتفاقيات عسكرية مختلفة مع دول الخليج. ففي الكويت والبحرين وقطر، توجد قوات أميركية متمركزة بشكل دائم تقريباً. أما عُمان فلا تستضيف قواعد أميركية بالمعنى التقليدي، لكنها تملك اتفاقاً يتيح للولايات المتحدة استخدام الموانئ والمجال الجوي بعد ترتيبات مسبقة.
وقالت “ميدل إيست آي” إن عُمان كانت من أقل دول الخليج تعرضاً للهجمات خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهو ما يعزز، في نظر بعض الخبراء، جدوى نموذج “الوصول العسكري” بدلاً من التمركز الدائم في قواعد كبيرة.
وفي السعودية، يتمركز نحو 2700 جندي أميركي حالياً، بعدما كان العدد ضعف ذلك تقريباً قبل عقدين. ومنذ عام 2003، انتقلت واشنطن في المملكة من نموذج القواعد الثابتة إلى صيغة تعتمد على الوصول والتدريب والتعاون العسكري، بدلاً من الوجود الضخم والمعلن.
ونقلت الصحيفة عن خبير دفاعي أميركي يقدم استشارات للجيش الأميركي قوله إن الأمر قد يبدو مجرد اختلاف في المصطلحات، لكن نوع الاتفاق يصنع فارقاً كبيراً للولايات المتحدة والدولة المضيفة. وأضاف أن دول الخليج حساسة جداً للغة المستخدمة في وصف استضافة القوات الأميركية، وأن الصيغ الأكثر مرونة تمنح واشنطن قدرة أفضل على الحركة.
وأكد الخبير أن الحرب الأخيرة ستدفع الولايات المتحدة إلى تبني نهج “البصمة الخفيفة” المشابه للنموذج العُماني، حيث تكون الأولوية للوصول العسكري السريع والمرن بدلاً من الوجود الكثيف في قواعد ثابتة.
الكويت في قلب المعضلة الأميركية
تستضيف الكويت نحو 14 ألف جندي أميركي، وهو العدد الأكبر للقوات الأميركية في أي دولة شرق أوسطية. وتضم البلاد قاعدتين رئيسيتين هما كامب عريفجان وقاعدة علي السالم الجوية، وقد تعرضتا لهجمات إيرانية مكثفة خلال الحرب، بحسب ما نقلته ميدل إيست آي.
وترسخ الوجود العسكري الأميركي في الكويت بعد غزو صدام حسين للبلاد في تسعينيات القرن الماضي. لكن الجغرافيا الكويتية، الواقعة عند رأس الخليج وبالقرب من العراق وإيران، جعلت القواعد الأميركية فيها عرضة لهجمات صاروخية ومن مسيّرات، سواء من إيران أو من جماعات عراقية مسلحة.
وبدلاً من محاولة الدفاع عن جميع الأصول العسكرية المعرضة للخطر، لجأت الولايات المتحدة إلى إخلاء بعضها. وأظهرت الأسابيع الأولى من الحرب مع إيران محدودية مخزون واشنطن من صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية.
وكشفت “ميدل إيست آي” في وقت سابق أن دول الخليج واجهت عراقيل عندما طلبت من واشنطن تزويدها بصواريخ اعتراضية إضافية. كما ذكرت صحيفة واشنطن بوست في مايو أن الولايات المتحدة لم يتبق لديها سوى نحو 200 صاروخ اعتراضي من منظومة “ثاد” للدفاع الجوي عالي الارتفاع.
وقال عباس دحوك للصحيفة إن الدفاع عن كل هذه القواعد كان سيستنزف مخزون الصواريخ الاعتراضية الأميركية، مضيفاً أن واشنطن وجدت نفسها أمام خيارين: إما تعزيز تحصين القواعد والمخاطرة بحياة الجنود، أو إخلاء المنشآت المعرضة للخطر. وتابع: “لقد اخترنا الإخلاء”.
تحصين القواعد أم تقليصها؟
قال دوغلاس سيليمان، السفير الأميركي السابق لدى الكويت، لـ ميدل إيست آي إن قرار الولايات المتحدة الإبقاء على وجود عسكري كبير في قواعد الخليج بعد الحرب مع إيران سيستلزم التزامات عسكرية ومالية إضافية.
وأوضح سيليمان أن كثيراً من المنشآت العسكرية الأميركية في الكويت ليست محصنة بالقدر نفسه الذي تتمتع به منشآت أميركية أخرى في المنطقة. وأضاف أنه إذا رغبت واشنطن والكويت في الحفاظ على وجود أميركي كبير بعد حرب إيران، وهو أمر يراه مرجحاً، فسيكون عليهما الاستثمار في تعزيز تحصين تلك المنشآت.
لكن هذا الخيار يطرح تحدياً واضحاً: فكلما زاد تحصين القواعد، ارتفعت الكلفة العسكرية والسياسية، وكلما بقيت القواعد كبيرة وثابتة، ظلت أهدافاً مغرية للصواريخ والمسيّرات.
البحث عن بدائل لميناء جبل علي
أجبرت إيران الولايات المتحدة، في الأيام الأولى من الحرب، على الابتعاد عن ساحل الخليج. وكانت ميدل إيست آي أول من كشف أن واشنطن حصلت في مارس على إمكانية الوصول إلى قاعدة الطائف الجوية في السعودية، بعدما تعرضت قاعدة الأمير سلطان الجوية جنوب شرقي الرياض لضربات إيرانية.
وعلى امتداد الساحل الشرقي للخليج، تنتشر قواعد ومنشآت عسكرية أميركية مهمة. ففي البحرين يتمركز الأسطول الخامس الأميركي، وتستضيف قطر مقر القيادة المركزية الأميركية، بينما تضم الإمارات قاعدة الظفرة الجوية. كما تستخدم البحرية الأميركية ميناء جبل علي في دبي بشكل متكرر.
لكن سيطرة إيران على مضيق هرمز، أو قدرتها على تهديده، جعلت هذا الممر البحري شديد الحساسية بالنسبة للبحرية الأميركية. وقال عباس دحوك لـ ميدل إيست آي إن قبضة إيران على المضيق خلقت مشكلة استدامة لوجستية للبحرية الأميركية، خاصة أن ميناء جبل علي يُعد من أكثر الموانئ الخارجية التي تزورها السفن الحربية الأميركية.
وكشف دحوك أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، عندما كان وزيراً للدفاع عام 2015، عرض على الولايات المتحدة إمكانية استخدام ميناء جازان على البحر الأحمر كخيار إضافي لرسو السفن الأميركية. وأضاف أن العرض نوقش بجدية في ذلك الوقت.
وبحسب دحوك، فإن وجود خيار بحري إضافي لا يتطلب العبور عبر الخليج العربي سيقلل اعتماد البحرية الأميركية على ميناء جبل علي، ويوفر هامش حركة أوسع في حال تصاعد التوتر مع إيران أو تعطل الملاحة في مضيق هرمز.
تحوّل استراتيجي لا يمكن تجاهله
تُظهر المعطيات التي أوردتها ميدل إيست آي أن مطلب إيران بإغلاق القواعد الأميركية في الخليج قد لا يتحقق سياسياً، لكنه يتقاطع مع مراجعة أميركية داخلية أعمق لطبيعة الانتشار العسكري في المنطقة.
فواشنطن، التي بنت نفوذها لعقود عبر قواعد ضخمة في الكويت وقطر والبحرين والإمارات، تجد نفسها اليوم أمام بيئة عسكرية مختلفة، حيث تستطيع الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة تحويل القواعد الثابتة إلى نقاط ضعف استراتيجية.
وبين خيار التحصين المكلف وخيار تقليص الوجود وإعادة توزيعه، يبدو أن مستقبل القواعد الأميركية في الخليج يتجه نحو نموذج أكثر مرونة وأقل ظهوراً، يعتمد على الوصول السريع، والموانئ البديلة، والقواعد الأصغر البعيدة عن خط النار الإيراني.
اقرأ ايضاً
سقوط رادار AN/FPS-132 في قطر يعيد رسم معادلة الردع في الخليج
حقيقة قصف قاعدة علي السالم: صور الأقمار الصناعية تفضح ثغرات الباتريوت وتكذّب رواية واشنطن

