وطن-تشير تقارير وتحقيقات ميدانية إلى أن خريطة تجارة الكبتاغون في سوريا شهدت تحولاً كبيراً بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، حيث برزت محافظة السويداء في الجنوب كأحد أبرز مراكز هذه التجارة، بعد أن كانت لسنوات طويلة مجرد ممرّ لعمليات التهريب نحو الأردن ودول الخليج.
وبحسب تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي”، فإن تفكك البنية الأمنية التابعة للنظام السابق، وتراجع سيطرة الدولة المركزية، سمحا بإعادة تشكّل شبكات التهريب في مناطق مختلفة، وعلى رأسها السويداء، التي باتت تُصنّف اليوم كـ“خزان استراتيجي” لمواد أولية ومخدرات مخزنة من شبكات مرتبطة بمرحلة ما قبل سقوط النظام.
من “اقتصاد الحرب” إلى شبكات محلية
خلال سنوات حكم النظام السابق، تحولت تجارة الكبتاغون إلى ما يشبه اقتصاداً موازياً، ارتبط بأجهزة أمنية وعسكرية، وخصوصاً الفرقة الرابعة التي قادها ماهر الأسد، بحسب تقارير غربية وأممية، حيث قُدرت حصة سوريا بنحو 80% من الإنتاج العالمي في فترات الذروة.
لكن بعد التغيير السياسي في دمشق، بدأت السلطات الجديدة حملة واسعة لتفكيك هذا الإرث، شملت تدمير معامل ومخازن مصنفة كأكبر مراكز إنتاج، إضافة إلى مصادرة مئات الملايين من الحبوب المخدرة، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC).
السويداء: من ممر تهريب إلى مركز إنتاج
تشير التقارير إلى أن السويداء لم تعد مجرد نقطة عبور، بل تحولت إلى مركز إنتاج وتخزين جديد، مدفوعاً بعوامل أبرزها:
- ضعف سيطرة الدولة على بعض مناطق الجنوب
- تصاعد نفوذ مجموعات مسلحة محلية
- استمرار شبكات تهريب عابرة للحدود مع الأردن
- الموقع الجغرافي الحساس القريب من الحدود
وبحسب بيانات أمنية إقليمية، ارتفعت محاولات تهريب المخدرات من السويداء باتجاه الأردن بشكل كبير خلال 2025، ما دفع عمّان إلى تصعيد إجراءاتها الأمنية وحتى تنفيذ ضربات داخل الأراضي السورية في بعض الحالات.
دور الفصائل المحلية والحدود مع الأردن
تشير بعض التحقيقات إلى أن إعادة تشكل الفصائل المسلحة المحلية في السويداء بعد أحداث عنف داخلية في 2025 ساهم في خلق واقع أمني معقد، حيث اندمجت عدة مجموعات تحت تشكيلات محلية مسلحة تولت إدارة مناطق واسعة من المحافظة.
خلق الوضع، بحسب مصادر أمنية إقليمية، بيئة أكثر مرونة لتهريب المخدرات، خصوصاً نحو الأردن الذي يعتبر هذا الملف تهديداً مباشراً لأمنه القومي.
تطور أساليب التهريب
لم تعد طرق التهريب تقليدية، إذ تتحدث تقارير عن استخدام وسائل أكثر تطوراً، منها:
- طائرات مسيّرة صغيرة
- بالونات مملوءة بالهيليوم مزودة بأنظمة GPS
- شبكات نقل عبر الحدود باستخدام شاحنات صغيرة وتخزين مؤقت
هذه الأساليب تعكس تطوراً في عمل الشبكات التي تحاول التكيّف مع تشديد الرقابة الحدودية.
الأردن في مواجهة مباشرة
أعلن الأردن، الذي يعتبر نفسه في الخط الأول أمام هذه التجارة، في أكثر من مناسبة إحباط عشرات عمليات التهريب، كما نفذ ضربات جوية استهدفت مواقع يُشتبه باستخدامها لتخزين أو تجهيز المخدرات في جنوب سوريا.
وتشير تقديرات نقلتها تقارير بحثية إلى ضبط عشرات ملايين الحبوب خلال فترة قصيرة، ما يعكس حجم النشاط المستمر رغم الإجراءات الأمنية.
بين التفكيك وإعادة التشكل
على الرغم من الجهود التي تبذلها السلطات السورية الجديدة لتفكيك البنية السابقة لتجارة الكبتاغون، فإن التقارير تشير إلى أن الشبكات لم تختفِ، بل أعادت تموضعها في مناطق ذات سيطرة أمنية أضعف، وعلى رأسها السويداء.
وهذا ما يجعل المشهد الحالي أقرب إلى “إعادة توزيع” لاقتصاد المخدرات أكثر من كونه نهايته.
تكشف التطورات في السويداء أن تجارة الكبتاغون في سوريا لم تنتهِ بسقوط النظام السابق، بل دخلت مرحلة إعادة تشكّل معقدة، تتداخل فيها العوامل الأمنية المحلية مع الحدود الإقليمية والصراع على النفوذ.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح السلطات الجديدة في تفكيك هذه الشبكات نهائياً، أم أن الجنوب السوري سيتحول إلى مركز دائم لهذا الاقتصاد غير الشرعي؟
اقرا المزيد
الرئيس أحمد الشرع يزور دير الزور: الحصيلة الكاملة لفيضانات الفرات والجهود الرسمية لإغاثة 2400 أسرة
تحقيق نيويورك تايمز يكشف مخطط جيش الظل في سوريا وتمويل رامي مخلوف وتحركات سهيل الحسن

