وطن-بعد أشهر طويلة من التوتر السياسي والتصعيد الإعلامي على خلفية الحرب بين الهند وباكستان، بدأت ملامح تقارب حذر تظهر مجددًا بين نيودلهي وأنقرة، في خطوة تعكس تحولات أعمق داخل خريطة التحالفات والممرات التجارية في آسيا والشرق الأوسط.
مرت العلاقة بين رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال العام الماضي بواحدة من أصعب مراحلها، بعدما انحازت أنقرة سياسيًا إلى باكستان خلال أزمة كشمير، ما فجّر غضبًا واسعًا داخل الهند وأشعل حملات مقاطعة ضد المصالح التركية. لكن يبدو أن الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية بدأت تدفع الطرفين نحو إعادة فتح خطوط الحوار.
من كشمير إلى القطيعة الباردة
انفجر التوتر بقوة بعد الهجوم الذي شهدته كشمير العام الماضي، وأسفر عن مقتل عشرات المدنيين، لترد الهند بعملية عسكرية داخل الأراضي الباكستانية. وخلال الأزمة، تبنت تركيا خطابًا داعمًا لإسلام آباد، بينما اتهمت وسائل إعلام هندية أنقرة بتقديم دعم عسكري غير مباشر لباكستان، وهو ما نفته تركيا رسميًا.
لم يبقَ التصعيد سياسيًا فقط، بل امتد إلى الاقتصاد والسياحة والطيران، حيث ألغت الهند تراخيص بعض الشركات التركية العاملة في المطارات، كما تراجعت أعداد السياح الهنود إلى تركيا بشكل ملحوظ.
لماذا تغيّر الموقف الآن؟
على الرغم من التوتر السياسي، لم تنهَر المصالح الاقتصادية بالكامل بين البلدين، إذ استمر التبادل التجاري بمليارات الدولارات، ما دفع دوائر داخل الهند لإعادة التفكير في جدوى استمرار القطيعة.
لكن العامل الأهم ربما كان التحولات الكبرى التي ضربت المنطقة بعد الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، وما تبعها من اضطراب خطير في طرق التجارة والطاقة.
كانت الهند تراهن خلال السنوات الماضية على مشروع “الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا”، الذي يربطها بالخليج ثم أوروبا عبر إسرائيل والسعودية.
غير أن التوترات الإقليمية، وتعثر التطبيع السعودي–الإسرائيلي، والخلافات الخليجية الجديدة، جعلت المشروع يدخل مرحلة غموض حقيقي. ومن هنا بدأت أنقرة تستعيد أهميتها الاستراتيجية.
تركيا تعود إلى قلب الممرات التجارية
تركيا تعمل منذ سنوات على تعزيز مشروع “الممر الأوسط”، الذي يربط آسيا بأوروبا عبر القوقاز وآسيا الوسطى، وتسعى لتقديم نفسها بوابة رئيسية للتجارة الدولية بعيدًا عن المسارات التقليدية المضطربة.
ومع تصاعد المخاطر في الخليج ومضيق هرمز، بدأت الهند تبحث عن بدائل أكثر استقرارًا، ما أعاد فتح النقاش حول التعاون مع تركيا رغم الخلافات السياسية.
تحدثت مصادر دبلوماسية عن اجتماعات ثنائية جرت مؤخرًا بين مسؤولين من البلدين، ووصفتها بأنها “إيجابية” وتركز على إعادة بناء الثقة وتخفيف التوتر.
كشمير.. العقدة التي لم تُحل
وعلى الرغم من التقارب الحذر، تبقى قضية كشمير العقبة الأكبر أمام أي شراكة استراتيجية كاملة بين أنقرة ونيودلهي. كما تزال تركيا تدعم الموقف الباكستاني الداعي إلى منح سكان كشمير حق تقرير المصير، وهو ما تعتبره الهند تدخلًا مباشرًا في شؤونها الداخلية.
لكن اللافت أن أردوغان خفّف نسبيًا من لهجته تجاه الملف في بعض المناسبات الدولية، في محاولة لترك مساحة دبلوماسية تسمح بإعادة التواصل مع الهند.
وفي المقابل، تدرك نيودلهي أن تركيا أصبحت لاعبًا مهمًا في معادلات الطاقة والنقل والتوازنات الإقليمية، خصوصًا مع توسع نفوذها في آسيا الوسطى وإفريقيا.
تقارب الضرورة لا التحالف
لا تعني المؤشرات الحالية بالضرورة ولادة تحالف جديد بين الهند وتركيا، لكنها تعكس بوضوح أن المصالح الاقتصادية والجغرافيا السياسية بدأت تتغلب تدريجيًا على التوترات الأيديولوجية.
فالمنطقة كلها تعيش اليوم مرحلة إعادة رسم للممرات التجارية والتحالفات الكبرى، وكل دولة تحاول تأمين موقعها قبل أن تتغير الخريطة بالكامل. ولهذا، يبدو أن أنقرة ونيودلهي اختارتا “إدارة الخلاف” بدل الاستمرار في التصعيد المفتوح.
ويبقى السؤال: هل يتحول هذا التقارب الحذر إلى شراكة استراتيجية حقيقية؟ أم أن ملف كشمير سيظل القنبلة المؤجلة التي تمنع أي تقارب كامل بين الطرفين؟
اقرأ المزيد
يلدريم خان”: هل يقلب صاروخ تركيا العابر للقارات موازين القوى في الشرق الأوسط؟
تركيا تقترب من تحالف دفاعي استراتيجي مع السعودية وباكستان يعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية
ما وراء الصفقات الاقتصادية.. هل تبحث الجزائر عن مظلة أمنية تركية لمواجهة فوضى الحدود؟

