وطن-في وقت يواجه فيه قطاع غزة واحدة من أقسى المجاعات في العصر الحديث، حيث تئن المستشفيات تحت وطأة الانهيار وتتمزق طوابير الخبز تحت القصف والزحام، تفجرت موجة غضب عارمة في الشارع الفلسطيني عقب غزو مفاجئ لـ “السجائر” في الأسواق، وبأسعار فلكية، في مشهد يعكس اختلالاً صادماً في أولويات الإغاثة وإدارة الأزمات.
مفارقة الموت والحياة: تبغٌ يتكدس وأطفال بلا حليب
يبدو المشهد في أسواق غزة اليوم سريالياً؛ فأمام أعين عائلات تبحث بشق الأنفس عن شربة ماء نظيفة أو علبة حليب لأطفالها، تبرز علب السجائر التي تُباع بأسعار خيالية وصلت إلى أرقام غير مسبوقة. هذا التناقض الصارخ لم يكن مجرد صدفة تجارية، بل اعتُبر لدى الكثيرين طعنة في خاصرة العمل الإنساني، خاصة مع تواتر الأنباء والصور التي توثق وصول هذه الكميات عبر شحنات يُفترض أنها مخصصة للمساعدات الإنسانية.
اتهامات لمنظمات دولية ونفي رسمي
اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بصور ومقاطع فيديو يزعم ناشطون أنها توثق وجود صناديق سجائر دخلت ضمن قوافل مرتبطة ببرنامج الغذاء العالمي. ومن جانبها، سارعت المنظمة الدولية لنفي هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، مؤكدة أن شحناتها تخضع لرقابة وتفتيش صارمين. ورغم النفي، لم يهدأ الاحتقان الشعبي، حيث يتساءل الغزيون: “كيف يمر التبغ عبر المعابر المعقدة بينما يُمنع الدواء وتُعرقل شاحنات الطحين؟”.
هندسة السوق السوداء: تجارة فوق الركام
يرى المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما يحدث ليس عشوائياً، بل هو عملية “منسقة” تهدف إلى إذكاء تغول السوق السوداء. ويوضح أبو قمر أن:
“السوق السوداء باتت تتحكم بشكل شبه كامل في مفاصل الاقتصاد داخل غزة، والتجار المتنفذون يسيطرون على السيولة، ويستغلون النقص الحاد في السلع الأساسية لإدخال بضائع تحقق أرباحاً ضخمة عبر قنوات غير معلنة”.
يشير هذا التحليل إلى وجود شبكة مصالح مستفيدة من الحصار، تحول معاناة الناس إلى استثمار مربح، حيث يُباع كل شيء —من الطحين إلى الدواء وصولاً إلى الدخان— بأضعاف سعره الحقيقي، مما يفاقم معاناة المواطن الذي فقد مصدر دخله وبيته.
انهيار أخلاقي واقتصادي
إن وصول السجائر إلى الأسواق قبل الاحتياجات المنقذة للحياة ليس مجرد خلل لوجستي، بل هو صورة حية للانهيار الأخلاقي الذي يرافق الكوارث الكبرى. فبينما يموت البعض بحثاً عن لقمة عيش، يراكم آخرون الثروات من قلب الركام. يبقى السؤال المعلق في أزقة غزة: من يفتح الطريق للتبغ ويغلقه أمام الخبز؟
اقرأ المزيد
خطة “مجلس السلام”: 100 مليون دولار إماراتية لتمويل شرطة غزة الجديدة وقوة دولية بقيادة المغرب
وثيقة مسربة: نزع سلاح حماس مقابل الهدنة.. هل ينهار اتفاق غزة بقرار من “مجلس السلام”؟
فرانشيسكا ألبانيزي تتهم قوى دولية بالتواطؤ في جرائم غزة وتواجه حملة لإسكاتها

