وطن-حذّر أمين حسن الناصر، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، من أن أسواق النفط العالمية تواجه واحدة من أعنف الصدمات في تاريخها الحديث، مؤكداً أن استمرار إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران يحرم السوق من نحو 100 مليون برميل من النفط أسبوعياً، في وقت تتسع فيه الفجوة بين أسعار العقود الآجلة وما يدفعه المشترون فعلياً في السوق الحقيقية.
وقال موقع “ميدل إيست آي” إن الناصر أبلغ محللين، خلال مكالمة لمناقشة نتائج أعمال الشركة، أن “صدمة إمدادات الطاقة التي بدأت في الربع الأول هي الأكبر التي شهدها العالم على الإطلاق”، مشيراً إلى أن الأسواق لا تتعامل مع أزمة عابرة، بل مع خلل عميق في تدفقات النفط العالمية عبر أحد أهم الممرات البحرية للطاقة.
وأوضح رئيس أرامكو أن العالم يتكيف حالياً مع نقص الإمدادات عبر ما وصفه بـ”تقنين الطلب” على الكميات المتاحة، مضيفاً أن هذا الوضع سيستمر ما دامت الإمدادات عبر مضيق هرمز معطلة. وقال الناصر: “نتوقع استمرار تقنين الطلب طالما بقيت الإمدادات مضطربة عبر مضيق هرمز. وإذا استؤنفت التجارة وحركة الشحن بصورة طبيعية، فإننا نتوقع عودة قوية جداً لنمو الطلب”.
وبحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي”، فإن محللي الطاقة يرون أن انهيار صادرات النفط عبر مضيق هرمز لا ينعكس بالتساوي على جميع الدول. فالدول الآسيوية، التي تعتمد بدرجة شبه كاملة على نفط الخليج، بدأت بالفعل في إجراءات تقنين، بينما شهدت الأسواق الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، ارتفاعاً في أسعار الطاقة من دون أن تصل الأمور إلى فرض قيود مباشرة على الاستهلاك.
وقفزت أسعار النفط، الاثنين، بأكثر من 3% بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن وقف إطلاق النار مع إيران “على أجهزة الإنعاش”، في إشارة إلى هشاشة الهدنة واحتمال عودة المواجهة العسكرية. وفسّر متعاملون في السوق هذه التصريحات على أنها مؤشر إلى تصاعد مخاطر الإمدادات، ما دفعهم إلى الرهان على ارتفاع جديد في الأسعار.
لكن الناصر، وفقاً لما نقلته “ميدل إيست آي”، شدد على أن هناك انفصالاً واضحاً بين أسعار النفط في العقود الآجلة وبين الواقع الفعلي للسوق. ففي حين يجري تداول عقود خام برنت تسليم يوليو عند نحو 105 دولارات للبرميل حتى 11 مايو، فإن الأسعار التي يدفعها العملاء فعلياً للحصول على النفط في الأسواق المادية أعلى بكثير.
وأشار التقرير إلى أن جورج الحيدري، الرئيس التنفيذي لبنك “إتش إس بي سي”، قال الشهر الماضي إن سعر برميل النفط المدفوع في سريلانكا وصل إلى 286 دولاراً، فيما ذكر خبراء آخرون أن مشترين في آسيا يدفعون نحو 150 دولاراً للبرميل. وتعكس هذه الأرقام، بحسب تقديرات محللين، الفارق الكبير بين السعر المعلن في شاشات التداول وبين كلفة الحصول على الشحنات في ظل تعطل الإمدادات.
وقال الناصر إن السوق ما زالت صامدة جزئياً بفضل السحب من المخزونات النفطية المخزنة في البحر وعلى اليابسة، واصفاً تلك المخزونات بأنها “الهامش الوحيد المتاح اليوم”. لكنه حذر في الوقت نفسه من أن المخزونات العالمية “استُنزفت بشكل ملموس”، ما يجعل قدرة السوق على امتصاص صدمة إضافية محدودة للغاية.
وأضافت “ميدل إيست آي” أن وكالة الطاقة الدولية نسقت، في بداية الحرب، عملية إفراج عن 400 مليون برميل من النفط من احتياطيات الدول الأعضاء، في محاولة لاحتواء القفزة في الأسعار وتعويض جزء من النقص في الإمدادات. كما خفضت الصين، ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة، وارداتها النفطية بهدوء بنسبة 25% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
وساعدت هذه الخطوات في إبقاء الأسعار تحت السيطرة نسبياً، إلا أن الناصر حذر من الاطمئنان إلى المؤشرات العامة للمخزونات، قائلاً إن “المستوى الإجمالي للمخزون عالمياً لا يعكس بصورة صحيحة درجة الضيق الحالية في السوق المادية التي نراها”.
ونقل موقع “ميدل إيست آي” عن متعاملين ومحللين وبنوك أميركية تحذيرات من أن سوق الطاقة العالمية قد تصل إلى نقطة حرجة في يونيو إذا لم يُعد فتح مضيق هرمز. وحذر بنك “جيه بي مورغان” الأسبوع الماضي من أنه “إذا لم يُفتح مضيق هرمز في وقت ما خلال يونيو أو يوليو، فإن مخزونات النفط العالمية ستصل إلى حدها التشغيلي الأدنى، ما سيؤدي إلى مزيد من التقنين، غالباً خارج الولايات المتحدة”.
في المقابل، أظهرت نتائج أرامكو قدرة الشركة على الاستفادة من ارتفاع الأسعار رغم اضطراب طرق التصدير. فقد أعلنت الشركة ارتفاع صافي الدخل المعدل للربع الأول بنسبة 26%، متجاوزة توقعات المحللين. وتصدر السعودية حالياً ما بين 60 و70% من حجم صادراتها قبل الحرب، لكن بأسعار أعلى بكثير، ما دعم أداء الشركة المالي.
وبينما تعتمد الكويت والبحرين والعراق بدرجة كبيرة على مضيق هرمز في تصدير النفط، تمكنت السعودية من الالتفاف جزئياً على الأزمة عبر خط أنابيب الشرق-الغرب، الذي ينتهي عند ميناء ينبع على البحر الأحمر. ووصف الناصر هذا الخط بأنه “شريان حياة حاسم”، مشيراً إلى أنه يعمل حالياً بكامل طاقته البالغة 5 ملايين برميل يومياً، مع السعي إلى زيادة هذه القدرة.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، تستخدم السعودية أيضاً البحر الأحمر لتصدير نحو 900 ألف برميل يومياً من المنتجات المكررة، في خطوة تعزز قدرتها على مواصلة الإمدادات رغم الاضطرابات في الخليج.
وتضع هذه التطورات مضيق هرمز مجدداً في قلب معادلة أمن الطاقة العالمي، إذ يظل أي تعطيل طويل لحركة الملاحة فيه قادراً على تغيير مسار أسعار النفط، وإعادة تشكيل خريطة الإمدادات، وفرض ضغوط مباشرة على الاقتصادات المستوردة للطاقة، خصوصاً في آسيا.
اقرأ المزيد
خروج الإمارات من أوبك يضع السعودية أمام تحديات جديدة في سوق النفط العالمي
وول ستريت وصناعة الفوضى: أرباح قياسية من حرب إيران تخفي “فخاً” اقتصادياً مرعباً

