وطن-في تحوّل لافت داخل المشهد اليمني المعقّد، انتقل السلفيون خلال سنوات الحرب من العمل الدعوي داخل المساجد والمراكز الدينية إلى مواقع متقدمة في القيادة العسكرية، بعدما لعبوا أدواراً محورية في القتال ضد جماعة الحوثي، ثم في الصراعات التي شهدتها المحافظات الجنوبية بين القوى التابعة للحكومة المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، في تقرير من مدينة عدن، إن السلفيين باتوا اليوم يشغلون مواقع مؤثرة داخل البنية العسكرية التابعة لمجلس القيادة الرئاسي في اليمن، خصوصاً بعد تشكيل قوات درع الوطن بدعم سعودي، وظهور قادة سلفيين في مواقع عسكرية حساسة تمتد من عدن ولحج إلى تعز وأبين وأجزاء من الضالع.
في محافظة لحج، كان “جاود”، وهو مقاتل سلفي يبلغ من العمر 43 عاماً، يعيش حياة مختلفة تماماً قبل الحرب. بلحيته الطويلة ولباسه اليمني التقليدي و”المعوز” الذي يرتديه كثير من الرجال في اليمن، كان يتنقل بين المساجد للدعوة وتعليم الناس تفسيره للدين، بعيداً عن السياسة والحزبية.
وبحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي”، فإن جاود كان يتبع نهجاً دينياً تأثر بمدرسة الشيخ مقبل الوادعي، أحد أبرز رموز السلفية في اليمن، الذي تلقى تعليمه في السعودية قبل أن يؤسس مركز دماج السلفي في محافظة صعدة خلال ثمانينيات القرن الماضي. وكان هذا الاتجاه السلفي يركز على الالتزام الديني وفق فهم حرفي للنصوص، مع الابتعاد عن المشاركة السياسية المباشرة.
لكن وصول الحرب إلى محافظة لحج عام 2015 غيّر مسار كثير من السلفيين. فعندما توسعت مواجهات الحوثيين باتجاه مناطق جنوبية، لم يتردد جاود ومجموعته في الانضمام إلى القتال. ويقول للصحيفة البريطانية: “لم نقاتل لأسباب سياسية، بل قاتلنا لحماية أرضنا وديننا من الحوثيين عندما حاولوا دخول قرانا وتشويه الإسلام”.
وتنتمي جماعة الحوثي إلى الزيدية، وهي فرع من الإسلام الشيعي يختلف في كثير من تفاصيله العقائدية عن الشيعة الاثني عشرية المنتشرة في إيران والعراق ولبنان. غير أن التقرير أوضح أن الصراع بين الحوثيين والسلفيين في اليمن لم يكن وليد لحظة الحرب الأخيرة، بل سبقها بسنوات طويلة، خصوصاً في محافظة صعدة التي كانت مركزاً رئيسياً للطرفين.
وكشفت صحيفة “ميدل إيست آي” أن صعدة شهدت على مدى أكثر من عقد احتكاكات متواصلة بين الحوثيين والسلفيين، بلغت ذروتها في أكتوبر 2013 عندما فرض الحوثيون حصاراً على مركز دار الحديث في دماج، ما أدى إلى سقوط أكثر من 250 قتيلاً. وفي عام 2014 اضطر السلفيون إلى مغادرة دماج، وتوزع الآلاف منهم على محافظات عدة، بينها لحج.
بعد خروج السلفيين من دماج، تقدم الحوثيون نحو صنعاء، وحققوا مكاسب عسكرية وسياسية كبيرة، انتهت بسيطرتهم على نحو 30% من مساحة اليمن، لا سيما في المناطق الشمالية والغربية ذات الكثافة السكانية العالية.
ويقول جاود، الحاصل على بكالوريوس في علوم القرآن، إن مجموعته لم تتوقف عن القتال منذ عام 2015، مؤكداً أنها لن تتوقف حتى “تحرير” البلاد بالكامل، وفق تعبيره. وأضاف للصحيفة: “إذا أخلصنا النية لله، فسننتصر عليهم في كل أنحاء البلاد، وهذا ما نحتاجه الآن”.
وعلى الرغم من أن السلفيين شاركوا في السابق كمقاتلين ميدانيين ضمن تشكيلات عسكرية متعددة، فإن عام 2023 شكّل نقطة تحول مهمة. إذ أسس مجلس القيادة الرئاسي، بدعم سعودي، قوات درع الوطن، التي تولى قيادتها قادة سلفيون. ورغم أن جاود لم يلتحق بأي كلية عسكرية، فإن خبرته القتالية وقناعته الدينية قادتاه إلى موقع قيادي داخل هذه القوات، بحسب ما ذكرته ميدل إيست آي.
ويقول جاود إن القتال ضمن تشكيلات لا تشاركه التوجهات نفسها كان يمثل في بعض الأحيان تحدياً، ولذلك كان تشكيل قوات درع الوطن أولوية. وأضاف: “لا أتحدث عن السلفيين فقط، بل عن أي مقاتلين ملتزمين بتحرير اليمن من الحوثيين فوق أي هدف آخر”. وتشير الصحيفة إلى أن قوات درع الوطن، رغم قيادتها السلفية، تضم في صفوفها مقاتلين غير سلفيين يقاتلون إلى جانبهم.
الطاعة للقيادة وتحولات الصراع في الجنوب
في بداياتها، ظلت قوات درع الوطن محدودة الحضور نسبياً، قبل أن تتحول إلى لاعب مهم خلال التوترات الأخيرة بين مجلس القيادة الرئاسي والمجلس الانتقالي الجنوبي. فقد تحركت هذه القوات من مناطق الحدود السعودية ومأرب، وأسهمت في تقليص نفوذ المجلس الانتقالي في حضرموت وشبوة وأبين، قبل أن تصل إلى عدن.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن المعارك الأخيرة لم تكن موجهة ضد الحوثيين، إلا أن المجموعات السلفية شاركت فيها بفاعلية. ويبرر جاود ذلك بالقول: “نحن نقاتل تحت راية الإسلام، وديننا يأمرنا بطاعة ولي الأمر، لذلك قاتلنا إلى جانب مجلس القيادة الرئاسي ضد من حاولوا نشر الفوضى”. وأضاف: “إذا ظهرت اليوم أي جهة جديدة تسعى لإثارة الاضطراب وتعطيل هدفنا الأساسي في القتال، فسنقاتلها أيضاً”.
وتعد طاعة الحاكم أو “ولي الأمر” ركناً مركزياً في المنهج السلفي التقليدي، استناداً إلى فهم ديني يركز على وجوب طاعة الله والرسول وأولي الأمر. وقد انعكس هذا التصور على مواقف السلفيين السياسية والعسكرية في اليمن خلال مراحل مختلفة.
وبحسب الصحيفة البريطانية، لم يكن حضور السلفيين في الحروب اليمنية جديداً تماماً؛ إذ لعبوا دوراً مهماً في حرب صيف 1994، عندما اصطفوا إلى جانب الحكومة الشمالية بقيادة الرئيس الراحل علي عبدالله صالح ضد الانفصاليين بقيادة علي سالم البيض. لكنهم ظلوا لعقود محصورين إلى حد كبير في المساجد ومجالات الدعوة، بعيداً عن القيادة السياسية والعسكرية المباشرة.
بدأ الدخول الرسمي للسلفيين إلى مستويات الحكم العليا في أبريل 2022، مع تشكيل مجلس القيادة الرئاسي. فقد ضم المجلس أبو زرعة المحرمي، وهو قائد سلفي بارز قاد عمليات عسكرية ضد الحوثيين في عدن والساحل الغربي.
ثم جاءت محطة جديدة في 30 أبريل 2026، عندما عيّن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي العميد السلفي حمدي شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة، وهي منطقة استراتيجية تشمل عدن ولحج وتعز وأبين وأجزاء من الضالع.
ووفقاً لما أوردته “ميدل إيست آي”، فإن السلفيين أصبحوا فعلياً في مواقع قيادة عسكرية داخل معظم المناطق الخاضعة لسيطرة مجلس القيادة الرئاسي. كما باتت قوات أخرى، بينها تشكيلات مرتبطة بحزب الإصلاح وقوات الحرس الجمهوري، تعمل في بعض المحافظات تحت قيادة قادة سلفيين.
وترى الصحيفة أن اعتماد مجلس القيادة الرئاسي على السلفيين يعود إلى سمعتهم كمقاتلين منضبطين وشجعان، أثبتوا فاعلية في المعارك ضد الحوثيين وضد المجلس الانتقالي الجنوبي على حد سواء.
ويقول جاود إن السلفيين سعداء بتقدم موقعهم داخل المؤسسة العسكرية، مؤكداً أنهم ملتزمون بالقتال تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي من أجل “تحرير البلاد من الحوثيين وأي طرف يعرقل مهمة المجلس”، وفق تعبيره. وأضاف: “الأمر لا يتعلق بالسلفيين وحدهم. الجيش اليمني يعيد حالياً هيكلة التشكيلات العسكرية للقتال تحت مظلة واحدة هي مجلس القيادة الرئاسي ممثلاً بوزارة الدفاع. وعندما نتوحد، ستتجه أسلحتنا جميعاً نحو الحوثيين”.
ومنذ عام 2015، عانت المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية من صراعات داخلية متكررة بين قوى يفترض أنها ضمن المعسكر نفسه، لا سيما بين حزب الإصلاح والمجلس الانتقالي الجنوبي. غير أن التقرير يشير إلى أن هذه المواجهات الداخلية تراجعت نسبياً مع اتجاه الجيش اليمني إلى إعادة تنظيم وحداته العسكرية.
“نحن جميعاً يمنيون”
ونقلت صحيفة “ميدل إيست آي” عن مصدر في وزارة الدفاع اليمنية، طلب عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخول بالحديث للإعلام، قوله إنه يرفض تقسيم التشكيلات العسكرية على أساس حزبي أو مناطقي أو ديني. وأضاف: “نحن جميعاً يمنيون، ونقاتل لتحرير اليمن من الميليشيا المدعومة من إيران”.
وشدد المصدر على رفضه تصنيف القيادات العسكرية وفق انتمائها السلفي أو غيره، قائلاً: “نحن نسمي الناس بأسمائهم. إذا كان هناك قائد جيد، تتم ترقيته لأنه كفؤ ومخلص للبلد، وليس لأنه سلفي أو إصلاحي أو أي شيء آخر”.
ومع ذلك، أقر المسؤول اليمني بتأثير السلفيين الكبير على الأرض، مؤكداً أنهم لعبوا أدواراً مهمة في معارك عدة بمحافظات مختلفة، وأن تمثيلهم في مستويات القيادة العسكرية العليا بات أمراً مستحقاً من وجهة نظره.
وأضاف المصدر، بحسب الصحيفة: “نحن نعيد حالياً هيكلة الجيش اليمني ليعمل تحت قيادة موحدة، وقد نجحنا في معظم هذه المهام. لا نريد خلق انقسامات جديدة من خلال تسمية التشكيلات العسكرية بأنها سلفية أو إصلاحية أو غير ذلك”.
وأوضح أن جميع المناطق والوحدات العسكرية لها أسماء رسمية، ويجب الإشارة إليها بأسمائها المعتمدة، سواء كانت ألوية أو مناطق أو وحدات، بدلاً من استخدام وصف “القوات السلفية”.
السعودية وتوازنات القوة في اليمن
من جانبه، قال المحلل السياسي محمد سلطان لصحيفة ميدل إيست آي إن المقاتلين السلفيين معروفون بالشجاعة والولاء لقياداتهم، لكن تعيينهم في مواقع عسكرية عليا يرتبط في جانب كبير منه برغبة السعودية في دعم قوة جديدة على الأرض.
وأوضح سلطان أن قوات درع الوطن تشكلت بدعم سعودي وبقيادة سلفية حصرية تقريباً، مضيفاً: “اتخذت السعودية هذه الخطوة في 2023 عندما شعرت بأنها لا تملك تقريباً قوات موثوقة على الأرض يمكن أن تدعم مصالحها”.
وبحسب المحلل السياسي، فإن السلفيين كانوا بحلول عام 2023 الطرف الأقرب إلى الرياض مقارنة ببقية القوى. فالمجلس الانتقالي الجنوبي والحرس الجمهوري يحظيان بدعم إماراتي، بينما لم يعد حزب الإصلاح يُنظر إليه في الرياض بوصفه حليفاً موثوقاً كما كان في السابق.
وأضاف سلطان أن قوات المجلس الانتقالي كانت قريبة من الحدود السعودية في حضرموت خلال مواجهات أواخر ديسمبر 2025، وأن السلفيين تمكنوا من إزاحتها من تلك المناطق. ومنذ ذلك الحين، زادت ثقة السعودية بالقوى السلفية، ما انعكس على حصولها على مزيد من المواقع داخل الجيش اليمني، خصوصاً أن الرياض تعد الداعم المالي الأبرز للمؤسسة العسكرية، وفق ما نقلته ميدل إيست آي.
ويرى سلطان أن السلفيين قادرون على قيادة حملات عسكرية وربما يمتلكون خططاً فعالة للتقدم ضد الحوثيين، لكن التحدي الأكبر لا يتعلق بالحرب وحدها، بل بشكل الدولة اليمنية بعد توقف القتال.
وقال المحلل السياسي في ختام حديثه للصحيفة: “نحن نرى مناصب سياسية وعسكرية توزع على أساس الولاء أكثر من الكفاءة. وإذا حدثت مصالحة مع الحوثيين أو انتهت الحرب، فسيكون بناء دولة مدنية مهمة شديدة الصعوبة”.
بهذا، تبدو خريطة القوة في اليمن أمام مرحلة جديدة، حيث لم يعد السلفيون مجرد جماعات دعوية أو مقاتلين ضمن الصفوف الخلفية، بل أصبحوا جزءاً من معادلة القيادة العسكرية في مناطق الحكومة. وبين الرهان السعودي عليهم، وحاجة مجلس القيادة الرئاسي إلى قوة منضبطة، ومخاوف مستقبل الدولة المدنية، يظل صعود السلفيين أحد أبرز التحولات التي قد تحدد ملامح اليمن في مرحلة ما بعد الحرب.
اقرأ المزيد
تفاصيل تورط أبوظبي في اغتيال محافظ عدن جعفر سعد وتصاعد النفوذ الإماراتي في اليمن
فضيحة تهريب الزبيدي تكشف تورط اللواء عوض الأحبابي ودور الإمارات في الصراع اليمني
عدٌّ تنازلي للانفصال: الزبيدي يعلن مرحلة انتقالية تنتهي باستفتاء جنوب اليمن
وثائق استخباراتية تكشف خطة أبوظبي لإخراج السعودية من المهرة وصراع النفوذ داخل التحالف اليمني

