وطن-في مؤشر واضح على اتساع التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، دعا رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي المواطنين إلى خفض استهلاك البنزين والديزل، والتوقف عن شراء الذهب لمدة عام، في وقت بدأت فيه الضغوط تظهر بقوة على احتياطيات النقد الأجنبي في الهند وعلى سعر الروبية أمام الدولار.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن تصريحات مودي تعكس حجم القلق داخل الحكومة الهندية من استمرار ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، خصوصاً أن الهند، رابع أكبر اقتصاد في العالم، تعتمد بصورة كبيرة على واردات النفط والغاز، ما يجعلها أكثر عرضة لصدمات أسعار الوقود واضطرابات سلاسل الإمداد.
وتعد الهند من بين الدول القليلة في المنطقة التي لم تلجأ حتى الآن إلى رفع أسعار البنزين والديزل على المستهلكين المحليين، كما لم تفرض تقنيناً واسعاً على الإمدادات. لكنها، في المقابل، رفعت أسعار غاز البترول المسال، وهو الوقود الأساسي المستخدم في الطهي لدى ملايين الأسر الهندية.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، تستورد الهند نحو 60% من احتياجاتها من غاز البترول المسال من قطر والإمارات والسعودية، فيما تمر نحو 90% من هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي بات مغلقاً فعلياً نتيجة الحصارين الأميركي والإيراني المتبادلين في ظل الحرب الدائرة.
وتشير تصريحات رئيس الوزراء الهندي إلى أن نيودلهي تستعد لاحتمال انتقال أزمة الإمدادات وارتفاع الأسعار إلى أنواع أخرى من الوقود خلال الفترة المقبلة، بعدما اقتصرت الضغوط في البداية على غاز الطهي.
وقال مودي، خلال كلمة ألقاها في ولاية تيلانغانا جنوبي البلاد: «علينا أن نخفض استخدامنا للبنزين والديزل. في المدن التي توجد فيها خطوط مترو، يجب أن نحاول التنقل بالمترو. وإذا اضطررنا إلى استخدام السيارة، فعلينا أن نحاول مشاركة الرحلات».
وأضاف رئيس الوزراء الهندي أن تقليل استهلاك الوقود لم يعد مجرد مسألة اقتصادية داخلية، بل أصبح ضرورياً للحفاظ على النقد الأجنبي الذي تنفقه البلاد على واردات الطاقة. ونقلت ميدل إيست آي عنه قوله: «يجب أن نولي اهتماماً كبيراً بتوفير العملات الأجنبية، لأن البنزين والديزل أصبحا باهظي الثمن عالمياً».
ولم تتوقف دعوة مودي عند حدود ترشيد استهلاك الوقود، إذ طالب المواطنين أيضاً بالتوقف عن شراء الذهب لمدة عام، وتجنب السفر إلى الخارج قدر الإمكان، في محاولة للحد من الطلب على الدولار وتقليل نزيف العملة الصعبة.
ويحظى الذهب بمكانة خاصة في الهند، كما في دول الشرق الأوسط وآسيا، حيث يُعد وسيلة تقليدية للادخار ومخزناً للثروة، فضلاً عن كونه جزءاً أساسياً من هدايا الزواج والمناسبات الاجتماعية. لكن الذهب، مثل النفط، يُسعّر ويُتداول عالمياً بالدولار الأميركي، ما يجعل زيادة وارداته عبئاً مباشراً على احتياطيات النقد الأجنبي.
وكشفت “ميدل إيست آي” أن الهند كانت قد رفعت الرسوم الجمركية على الذهب في عام 2022، بهدف كبح الطلب المحلي على المعدن النفيس والحفاظ على الدولار، في خطوة مشابهة للنهج الذي تعود إليه الحكومة حالياً مع تصاعد أزمة الطاقة.
وتستورد الهند نحو 90% من احتياجاتها النفطية، إضافة إلى حوالي 50% من احتياجاتها من الغاز. ومع ارتفاع الأسعار العالمية نتيجة الحرب على إيران، بدأت احتياطيات النقد الأجنبي الهندية تتعرض لضغوط متزايدة، خصوصاً مع اتساع فاتورة استيراد الطاقة.
ورغم أن الروبية الهندية ليست مربوطة رسمياً بالدولار الأميركي، فإنها تأثرت بتدفقات الأموال الخارجة وارتفاع الطلب على العملة الأميركية. وبحسب الصحيفة، هبطت الروبية الأسبوع الماضي إلى أدنى مستوى قياسي لها مقابل الدولار.
وتدخل البنك المركزي الهندي في سوق الصرف لدعم العملة المحلية عبر بيع الدولار، في محاولة لاحتواء التراجع الحاد في قيمة الروبية ومنع انعكاساته على التضخم وأسعار السلع الأساسية.
وتعتمد الهند أيضاً على تدفقات الدولار القادمة من العمالة الهندية في دول الخليج، ولا سيما الإمارات. غير أن قطاع السياحة، الذي تأثر بدوره بالحرب وتداعياتها الإقليمية، تسبب في تراجع بعض هذه التدفقات، ما زاد الضغط على ميزان المدفوعات.
وفي هذا السياق، دعا مودي الهنود إلى العودة لاستخدام بعض سياسات ترشيد الطاقة التي طُبقت خلال جائحة كورونا، وفي مقدمتها العمل من المنزل وتقليل التنقلات والاجتماعات الحضورية.
وقال رئيس الوزراء الهندي: «يجب أن نعطي الأولوية مجدداً للعمل من المنزل، والمؤتمرات عبر الإنترنت، والاجتماعات الافتراضية»، في إشارة إلى أن الحكومة تسعى لتقليل استهلاك الوقود في المواصلات اليومية وخفض الاعتماد على واردات الطاقة.
وتأتي هذه الدعوات في وقت تواجه فيه الهند معادلة صعبة بين حماية المستهلكين من ارتفاع أسعار الوقود، والحفاظ على استقرار العملة واحتياطيات النقد الأجنبي، وسط اضطرابات جيوسياسية تهدد واحداً من أهم ممرات الطاقة في العالم.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فإن تصريحات مودي تمثل تحولاً لافتاً في خطاب الحكومة الهندية، إذ انتقلت من محاولة احتواء آثار الأزمة عبر عدم رفع أسعار الوقود محلياً، إلى مطالبة المواطنين بتغيير أنماط الاستهلاك والسفر والادخار، في انتظار اتضاح مسار الحرب وتداعياتها على أسواق الطاقة العالمية.
اقرأ المزيد
من الصدام إلى “تقارب الضرورة”: كيف أعادت حروب الطاقة هندسة العلاقة بين مودي وأردوغان؟

