وطن – في زمن يتزايد فيه الاعتماد على المسكنات والعقاقير الكيميائية، يبرز اتجاه جديد يدعو إلى العودة إلى العقل والجسد كوسيلتين متكاملتين لتخفيف الألم. فالأبحاث الحديثة تُظهر أن التوتر والقلق لا يضاعفان الإحساس بالألم فحسب، بل يساهمان أيضًا في تفاقمه من خلال شدّ العضلات ورفع مستويات هرمون الكورتيزول، المسؤول عن الالتهابات في الجسم.
وتوضح ديانا وينستون، مديرة مركز “مايندفول” في جامعة كاليفورنيا – لوس أنجلوس، أن العلاقة بين الإنسان وألمه قد تتغير كليًا عندما يتعامل معه بوعي وتقبل. وتقول إن التحول من مقاومة الألم إلى مراقبته بتعاطف وهدوء يخفف من المعاناة النفسية حتى وإن لم يختفِ الألم تمامًا.
التنفس الواعي… أول خطوة نحو السيطرة
من الاستراتيجيات التي يعتمدها الخبراء ما يُعرف بـ”التنفس باتجاه الألم”، وهي تقنية بسيطة تقوم على الشهيق كأنّ الهواء يتجه نحو المنطقة المتألمة ليمنحها مساحة من اللين والراحة. ثم يأتي الزفير لإطلاق التوتر من تلك المنطقة تدريجيًا. تكرار هذه العملية لعدة دقائق قد يحدث أثرًا ملحوظًا في تهدئة الإحساس بالألم.
وصف الألم بدقة لتقليل أثره
تشير وينستون إلى أن استخدام مفردات دقيقة لوصف نوع الإحساس—مثل “ضغط” أو “وخز” أو “ألم نابض”—يساعد على تحويل الانتباه من القصص الذهنية المقلقة إلى الملاحظة الموضوعية لتفاصيل الإحساس ذاته. هذا الوعي اللغوي البسيط يمنع العقل من الانغماس في أفكار مثل “لن يزول هذا الألم أبدًا” أو “لن أستطيع القيام بنشاطاتي مجددًا”.
التأمل الموجّه… رحلة داخلية نحو الراحة
بعض التطبيقات الرقمية مثل UCLA Mindful وJKZ Meditations التي يقدمها جون كابات-زين، تساعد المستخدم على ممارسة جلسات تأمل موجهة تقوده إلى فضاءات خيالية مريحة، تسهم في تهدئة الأعصاب وإيجاد شعور أعمق بالسكينة الداخلية.
الاندماج في الأنشطة اليومية
ويرى المختصون أن الأنشطة البسيطة كالعناية بالنباتات أو الطهي أو حتى غسل الأواني يمكن أن تتحول إلى فرصة علاجية إذا ما أُديت بتركيز كامل. فالانغماس في تفاصيل الحركة والإحساس المادي، بعيدًا عن التفكير في الألم، يُعيد للعقل توازنه ويمنع تضخيم المعاناة.
وعيٌ جديد بالألم
ما تدعو إليه هذه التقنيات لا يُعد إنكارًا للمعاناة، بل دعوة لمصادقتها وفهمها دون انفعال. فحين يتعلم الإنسان مراقبة الألم من منظور رحيم ومتسع، يتحول الإحساس به من عبء خانق إلى تجربة يمكن التعايش معها بأقل قدر من التوتر.
بهذا المعنى، يصبح الهدوء شكلًا من أشكال العلاج، ويغدو الوعي بالجسد والعقل أداة طبيعية تعيد إلى الإنسان قدرته القديمة على التكيف، بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الأقراص الطبية ومسكنات الألم.
اقرأ أيضاً:










