نيويورك – وطن – في عام 2025، شهد العالم طفرة غير مسبوقة في الثروات. الأرقام تدهش: أغنى 500 شخص على الكوكب أضافوا إلى ممتلكاتهم نحو 2.2 تريليون دولار في عام واحد، لترتفع قيمة ثرواتهم المجمعة إلى ما يقارب 11.9 تريليون دولار. ورغم أن الأسواق الأمريكية كانت المحرك الأكبر لتلك القفزة، فإن الكثير من أصحاب هذه الثروات بدأوا، على نحو لافت، يفقدون الثقة في «الحلم الأمريكي» الذي طالما كان رمزاً لجذب الطموحين.
صعود سريع… وقلق أعمق
التقارير الصادرة عن مؤسسات مالية عالمية، من بينها “بلومبرغ” و”يو بي إس”، تشير إلى أن مكاسب عام 2025 توزعت بشكل غير متوازن، إذ حقق عدد محدود من الأسماء العملاقة في قطاع التكنولوجيا وحده نحو ربع الزيادة الكلية في ثروات المليارديرات. ويُعزى ذلك إلى الحماس الجارف تجاه الذكاء الاصطناعي، الذي جعل «السبعة العظام» من شركات التكنولوجيا يتفوقون بفارق كبير على بقية الشركات المدرجة في مؤشر “ستاندرد أند بورز 500”.
وفي ظل هذا الارتفاع، ظهرت فئة جديدة توصف بـ«المليونيرات اليوميين»؛ أي أولئك الذين راكموا ثروات من سبعة أرقام دون أن يكونوا من طبقة الأثرياء التقليديين. فقد ارتفع عددهم من حوالي 13 مليون شخص في مطلع الألفية إلى نحو 52 مليوناً بنهاية عام 2024، أي ما يزيد بأكثر من أربعة أضعاف. ومع ذلك، فإن ارتفاع الأصول لم يترافق دائماً مع شعور بالثراء؛ فكثير من الأمريكيين الميسورين اليوم يوصفون بأنهم «أغنياء بالأرقام… فقراء بالإحساس»، وفقاً لمراقبين اقتصاديين.
ثروات جديدة… ووجهات جديدة
تقرير “طموحات المليارديرات” الصادر عن “يو بي إس” كشف أن الثروة الإجمالية للمليارديرات حول العالم وصلت إلى مستوى قياسي بلغ 15.8 تريليون دولار. وقد أُضيف إلى هذه الكتلة قرابة 386.5 مليار دولار من ثروات جديدة أنشأها أشخاص عصاميون، مقابل نحو 297.8 مليار دولار انتقلت إلى الورثة خلال عام واحد، فيما ارتفع عدد أصحاب المليارات إلى قرابة ثلاثة آلاف شخص.
ومع أن أمريكا الشمالية لا تزال الوجهة المفضلة للاستثمار، فإن نسبة المليارديرات الذين يعتبرونها أفضل موقع لتحقيق عوائد قصيرة الأمد تراجعت من 80% إلى 63% خلال عام واحد، في الوقت الذي ارتفعت فيه جاذبية أوروبا الغربية، التي رآها نحو أربعة من كل عشرة مليارديرات فرصة استثمارية واعدة خلال العام المقبل.
حين يصبح النجاح سبباً للرحيل
يبدو أن بعض الأثرياء الأمريكيين قرروا أن النجاح لا يستلزم البقاء داخل الولايات المتحدة. المشهد الأوضح جاء من النجم السينمائي جورج كلوني، الذي حصل مع زوجته أمل وطفليه على الجنسية الفرنسية مؤخراً، مانحاً عائلته استقراراً جديداً في الريف الفرنسي بعيداً عن أضواء هوليوود. وبرر كلوني انتقاله برغبته في توفير حياة أكثر «طبيعية» لأطفاله، محمية من صخب الشهرة والإعلام، مشيراً إلى أن «الحياة في لوس أنجلوس لم تعد تتيح للأطفال فرصة عادلة».
هذا القرار لا يبدو مجرد انتقال جغرافي، بل هو في جوهره تعبير عن تراجع الإيمان بمقولة أن النجاح الأمريكي يعني بالضرورة حياة أفضل داخل أمريكا. ولم يكن كلوني الوحيد في هذا الاتجاه؛ فقد اختارت أسماء لامعة مثل إلين ديجينيرس وبورتيا دي روسي وأيضاً روزي أودونيل العيش في أوروبا، بينما نقل كل من ريتشارد غير وطوم فورد والرئيس التنفيذي السابق لغوغل إيريك شميت إقاماتهم الأساسية إلى القارة العجوز.
موجة مغادرة صامتة
وراء هذه القصص الفردية تبرز إحصاءات رسمية تكشف عن زيادة لافتة في عدد الأمريكيين من أصحاب الثروات الذين تخلوا عن جنسيتهم. فوفقاً لقائمة «إكسبترييشن» الصادرة عن هيئة الضرائب الأمريكية، بلغ عدد المتنازلين عن الجنسية في عام 2024 نحو 4820 شخصاً، بارتفاع 48% عن العام السابق، وهو ثالث أعلى رقم مسجل في التاريخ الحديث. وخلال الفترة بين 2020 و2024، تنازل نحو 21 ألفاً من ذوي الثروات الكبيرة عن جواز السفر الأمريكي.
ثراء بلا انتماء
وتُظهر بيانات “يو بي إس” أن أكثر من ثلث العائلات المليارديرية غيّرت أماكن إقامتها مرة على الأقل، بينما يفكر ثلث آخر في الانتقال، مدفوعين بأسباب تتراوح بين البحث عن جودة حياة أفضل، وتخوفات سياسية، واعتبارات ضريبية. ويصف أحد مسؤولي البنك هذا الاتجاه بأنه تحوّل نحو “عالم بلا حدود” للأثرياء، تتقاطع فيه الثروات والثقافات والأجيال عبر القارات.
لكن المفارقة أن رأس المال يظل متجهاً نحو أمريكا، بينما أجساد بعض أصحابه تغادرها. فالتقرير نفسه يوضح أن الولايات المتحدة أنتجت خلال عام 2025 وحده 92 مليارديراً جديداً بثروة بلغت 179.9 مليار دولار، متقدمة على آسيا والمحيط الهادئ (61 مليارديراً جديداً بـ124.4 مليار دولار) وأوروبا (43 مليارديراً بـ82.2 مليار دولار).
روح المخاطرة ما تزال هناك
ومع ذلك، لا تزال أمريكا تُعدّ البيئة الأكثر خصوبة لابتكار الثروة. إذ يرى اقتصاديون أن روح المجازفة التي تميز الشخصية الأمريكية منذ عهد ألكسندر هاميلتون هي ما يجعلها قادرة على خلق أجيال متعاقبة من رواد الأعمال. فالأنظمة الأوروبية تميل إلى تجنّب المخاطر بضمانات اجتماعية وصحية، بينما يظل «المغامر» هو جوهر النموذج الأمريكي.
ثراء في مواجهة المعنى
وما بين الأرقام المليارية والقرارات الشخصية بالرحيل، يتضح أن الحلم الأمريكي يمر بإعادة تعريف. فبينما تنتج الولايات المتحدة الثروات بوتيرة أسرع من أي مكان آخر، يبدو أن بعض من يعيشون هذا الحلم باتوا يبحثون عن مكان آخر ليحلموا فيه بأمان. إنها مفارقة عصر تتسع فيه الثروة… ويضيق معه الإحساس بالطمأنينة.
اقرأ أيضاً:












