السنة الجديدة لا تدخل إلى الخيام كما تدخل المدن. لا تُطرق الأبواب، لأنها قماش، ولا تحمل عدّا تنازليًا، لأن الوقت هنا مكسور منذ زمن. في آخر ليلة من العام، الأطفال لا يعدّون الثواني، بل يعدّون ثقوب النايلون، يعرفون اتجاه الريح من ارتجاف الخيمة، ويقيسون البرد بعدد الطبقات الملتصقة بأجسادهم الصغيرة.
هنا، السنة الجديدة لا تأتي بألعاب نارية، بل بمطر يتسلل من السقف، وبوحل يبتلع الأرض والفرش والأحلام، وبماء يقرر أن ينام مع العائلة في نفس المساحة. الأطفال لا يسألون: “كم بقي على رأس السنة؟” بل يسألون: هل ستصمد الخيمة هذه الليلة؟ لا شجرة ميلاد، لا زينة، لا موسيقى… هناك حبال غسيل مهزومة، أحذية عند المدخل تحسّبًا للفرار، ووجوه صغيرة تعلمت أن الخوف لا يحتاج لغة.
في الخيام، لا يقولون عام مضى وعام أتى، بل يقولون: ليلة أخرى نجونا منها. الألعاب هنا ليست هدايا، بل حجارة، علب فارغة، قطعة قماش تصبح دمية، وظل على الجدار يتحوّل إلى مسرح. يضحكون أحيانًا، ليس لأنهم سعداء، بل لأن الضحك مقاومة، ولأن الطفولة تعرف كيف تختبئ كي لا تنكسر تمامًا.
في الخيام، تقال الأمنيات همسًا، حتى لا تسمعها الحرب: طفل يتمنى نوماً بلا ريح، طفلة تتمنى حذاء لا يتبلّل، أم تتمنى ليلة بلا مطر، أب يتمنى صباحًا لا يبدأ بإحصاء الخسائر. في هذا العام الجديد، العالم يكتب أمنياته: السلام، العدالة، نهاية الحروب… أما نحن، فنتمناها أبسط وأكثر إنسانية: أن تبقى خيمة جافة، أن لا تكون النجاة حلمًا، بل أمرًا عاديًا، مثل الضوء، مثل الهواء، مثل حقهم الطبيعي في أن يكونوا أطفالًا فقط.
اقرأ أيضاً:












