نيويورك – وطن – مع بداية عام 2026، يجد سوق العملات الرقمية نفسه أمام مفترق حاسم: هل تواصل “البيتكوين” صعودها لتتجاوز حاجز 125 ألف دولار، أم تعود إلى مستويات الخمسين ألفًا التي شهدتها فترات التقلب السابقة؟ هذا السؤال لم يعد مجرد تكهن، بل يعكس حالة من الترقب بين الخبراء الذين يرون أن تحرك السعر بات مرتبطًا بمزيج دقيق من السياسات النقدية، والسيولة العالمية، والتشريعات الأمريكية، واتجاهات الاستثمار المؤسسي.
بداية العام: سيولة أفضل ومخاوف أقل
يرى فابيان دوري، كبير مسؤولي الاستثمار في بنك “سيغنم”، أن الأشهر الأولى من 2026 قد توفر أرضية داعمة لأداء قوي للبيتكوين، وسط مؤشرات على تحسن الاقتصاد الكلي وتراجع الخوف في الأسواق الرقمية بعد اضطرابات نهاية 2025. ويوضح أن انحسار التشديد الكمي وعودة معدلات السيولة إلى طبيعتها، إلى جانب تحسن مؤشرات مديري المشتريات، قد يعزز ثقة المستثمرين ويدفع نشاط التداول والتمويل اللامركزي إلى الانتعاش من جديد.
ويرجّح دوري أن يساهم التقدم في التشريعات الأمريكية، ولا سيما مشروع “قانون الوضوح” الذي يهدف إلى تحديد ماهية الأصول الرقمية بين الأوراق المالية والسلع، في تقليص الضبابية التنظيمية التي أثرت على عمل الشركات والمستثمرين خلال الأعوام الماضية. ومع ذلك، يلفت الانتباه إلى أن أي شلل حكومي محتمل في الولايات المتحدة قد يسبب تذبذبات قصيرة الأمد في السوق.
آراء متباينة حول الاتجاه المقبل
وفي الوقت الذي يسود فيه التفاؤل بين بعض المحللين، يقدّم آخرون رؤى أكثر حذرًا.
مايك مكلون، كبير استراتيجيي السلع في “بلومبرغ إنتليجنس”، يحذر من احتمال تراجع حاد نحو مستوى 50 ألف دولار، معتبرًا أن عودة الأسواق إلى طبيعتها بعد موجات المخاطرة السابقة قد تضغط على الأصول عالية المخاطر مثل البيتكوين، رغم استمرار توجهات التبني المؤسسي على المدى الطويل.
أما محللو “بتفينكس”، فيرون أن الربع الأول من 2026 سيكون على الأرجح مرحلة “استقرار وتصحيح”، حيث يستوعب المستثمرون تذبذبات نهاية 2025 ويعيدون موازنة محافظهم، بينما تتحسن السيولة تدريجيًا بفضل معدلات فائدة مستقرة أو منخفضة.
الربع الثاني: بين زخم الصعود وتنامي المخاطر
في الربع الثاني، يترقب المحللون اتجاهًا صاعدًا جديدًا، إذا ما واصلت العوامل الاقتصادية الكلية مسارها الإيجابي. ويشير دوري إلى أن تسارع دورة الأعمال ورخاوة الشروط النقدية قد تفتح الباب لموجة ارتفاع جديدة، خصوصًا إذا رافقها تعديل في متطلبات الاحتياطي والرافعة المالية لدى البنوك الأمريكية.
كما يلفت إلى أن تغير القيادة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يلعب دورًا مهمًا، إذ يُعد كيفن هاسيت — المرشح البارز لخلافة جيروم باول — من المؤيدين لسياسات الفائدة المنخفضة، وهو توجه قد يعزز الطلب على الأصول البديلة ومنها البيتكوين.
وفي المقابل، تتبنى أورلي بارتير، كبيرة محللي الأبحاث في “نانسن”، رؤية أكثر توازناً، معتبرةً أن المشهد سيزداد تعقيدًا مع منتصف العام، إذ يمكن للعوامل السياسية أن تؤثر على قرارات السياسة النقدية، ما يجعل سوق العمل موضوعًا أكثر حساسية من التضخم ذاته. وتحذر من سيناريو قد يكون سلبيًا يتمثل في ارتفاع العوائد الطويلة الأجل مع خفض الفائدة القصيرة، وهو وضع يجعل السندات أكثر إغراءً من الأصول عالية المخاطر.
الربع الثالث: السياسة تزرع التقلبات
يدخل العام مرحلة أكثر هشاشة مع اقتراب الربع الثالث، إذ يتوقع محللون ازدياد التقلب بسبب موسم الانتخابات النصفية الأمريكية. ويرى دوري أن الضبابية السياسية قد تؤدي إلى اهتزازات سريعة في الأسعار، بينما يتحدث محللو “بتفينكس” عن احتمال تذبذب غير منتظم نتيجة ضعف السيولة الموسمية وعدم اليقين المالي. إلا أنهم يؤكدون أن أي تراجع سيكون مؤقتًا طالما حافظت أسعار الفائدة على استقرارها.
في هذا السياق، تحذر بارتير من تأثر المعنويات بتأجيل محتمل لإقرار “قانون الوضوح”، فضلًا عن استمرار ارتباط البيتكوين بالأسهم التقنية، التي قد تواجه صعوبات إذا واجهت أسهم الذكاء الاصطناعي مشكلات في النمو.
الربع الأخير: نهاية عام تقلبات وربما صعود جديد
تاريخيًا، كانت الأشهر الأخيرة من العام فترة إيجابية للأصول الرقمية، ويتوقع العديد من المحللين أن يتكرر هذا النمط في 2026. ويشير تقرير “بتفينكس” إلى أن تحسن السيولة وإعادة توزيع المحافظ مع اقتراب نهاية العام يمكن أن يشكلا دعامة لموجة ارتفاع جديدة، خصوصًا إذا ظلت معدلات الفائدة منخفضة واستمرت عمليات إعادة التمويل بخفض الضغط على الموازنات.
أما شركة “كابر” للأبحاث، فتطرح سيناريو أكثر جرأة، إذ تشير إلى أن دورة الأربع سنوات التقليدية للبيتكوين استُبدلت بما تسميه “دورات العائد على التكلفة” منذ بدء تداول صناديق المؤشرات الفورية المرتبطة بالعملة الرقمية. ويوضح فادي أبو علفة، رئيس الأبحاث في الشركة، أن السعر غالبًا ما يعود إلى متوسط تكلفة المستثمرين عبر تلك الصناديق قبل أن ينطلق في موجة صعودية جديدة. ومع تداول البيتكوين حاليًا قرب مستوى التكلفة البالغ نحو 84 ألف دولار، يتوقع أن يتجاوز السعر 140 ألف دولار خلال 180 يومًا، مستندًا إلى أنماط تاريخية تتراوح أهدافها بين 138 و148 ألف دولار.
نظرة ختامية
وبين التفاؤل الحذر والتوقعات الجريئة، يظل عام 2026 فصلًا مفتوحًا في قصة البيتكوين، حيث تتقاطع السياسة والنقد والتقنية في مسار واحد. وما بين احتمالات الازدهار والتصحيح، يبقى الدرس الأهم للمستثمرين هو إدراك أن سوق العملات الرقمية لا يتحرك بمعزل عن الاقتصاد العالمي، بل يعكس نبضه بكل ما فيه من فرص ومخاطر.
اقرأ أيضاً:
الأزمة الكبرى وراء غلاء المعيشة في أمريكا تتفاقم من جديد
حين يغتني الأثرياء… ويغادرون الحلم الأمريكي










