تشكل الذاكرة جوهر هويتنا الإنسانية. فهي تحفظ خبراتنا، وتنسج تفاصيل علاقاتنا، وتمنحنا القدرة على التعلم والابتكار. إلا أن التقدم في العمر وما يصاحبه من تغيرات بيولوجية قد يعرض هذه الذاكرة للتراجع شيئًا فشيئًا. وتشير تقديرات حديثة إلى أن نحو 57 مليون شخص حول العالم يعانون من الخرف، مع تسجيل قرابة 10 ملايين حالة جديدة سنويًا.
ورغم أن للعوامل الوراثية والعمرية دورًا في هذه الظاهرة، إلا أن ما نختاره يوميًا على موائدنا قد يكون له تأثير مباشر في كيفية عمل الدماغ واستجابته. اختصاصيون في التغذية يؤكدون أن بعض المكونات الغذائية تساهم في حماية الخلايا العصبية وتقليل الالتهابات وتعزيز التواصل بين الخلايا، مما ينعكس إيجابيًا على الذاكرة والوظائف الإدراكية.
في ما يلي سبعة أطعمة أوصى بها خبراء التغذية لدعم الذاكرة على المدى الطويل:
زيت الزيتون البكر الممتاز
قد يكون هذا المكون البسيط في مطبخك سلاحًا فعّالًا لتعزيز صحة الدماغ. تشير الباحثة المتخصصة في تغذية الدماغ ماغي مون إلى أن زيت الزيتون البكر غني بمركبات البوليفينولات ذات الخصائص المضادة للأكسدة والالتهاب، والتي تساعد على خفض الإجهاد التأكسدي وتقوية الحاجز الدموي الدماغي. كما أنه قد يسهم في الحد من تراكم بروتينات الأميلويد‑بيتا والتشابكات العصبية المرتبطة بالخرف.
ينصح باستخدامه في تتبيلة السلطات أو للطهو الخفيف أو كإضافة نهائية على الخضروات والبقوليات والحبوب.
الأسماك الدهنية
السلمون والسردين والأنشوفة والماكريل مصادر ممتازة لأحماض أوميغا‑3 طويلة السلسلة، وبخاصة DHA وEPA، التي تدعم بناء الخلايا العصبية وتحافظ على مرونتها ووظائفها. أخصائية التغذية جيسيكا كوردينغ تؤكد أن هذه الدهون الصحية ترتبط بالحفاظ على البنية الدماغية والتواصل العصبي، وقد تقلل من تراجع القدرات الإدراكية مع تقدم العمر.
وتوصي بإدخالها ضمن الوجبات اليومية، سواء كانت مطهية في الفرن مع الخضار أو عبر الأسماك المعلبة كالتونة والسردين في السندويشات أو أطباق المعكرونة.
الخضروات الورقية
تناول الخضروات الورقية بانتظام، خاصة الأنواع الصليبية مثل البروكلي، يساعد على الحفاظ على الذاكرة العرضية، وهي الذاكرة المسؤولة عن استرجاع المواقف والأحداث. وتشير دراسات عن نظام “مايند” الغذائي إلى أن الأشخاص الذين يكثرون من تناول هذه الخضروات تقل لديهم التغيرات الدماغية المرتبطة بمرض ألزهايمر.
ويُرجع الخبراء ذلك إلى احتوائها على نسب مرتفعة من مضادات الأكسدة والكاروتينات وفيتامينات “ب”، لاسيما حمض الفوليك الذي يساهم في خفض مستويات الهوموسيستين، وهو مكوّن يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف. يمكن تناولها في العصائر، أو إضافتها إلى الأومليت والسلطات، أو خلطها في الحساء والمعكرونة.
التوت الأزرق
من أبرز الفواكه المفيدة للدماغ، إذ تحتوي على مركبات الأنثوسيانين والبوليفينولات التي تدعم الذاكرة وتحسن تدفق الدم إلى الدماغ، إضافة إلى فيتامين “جـ” المعروف بقدرته على مقاومة الأكسدة وحماية الخلايا العصبية.
وللاستفادة منها، يُنصح بحفظها طازجة أو مجمّدة لإضافتها إلى العصائر والزبادي ودقيق الشوفان، أو تناولها كوجبة خفيفة.
الطماطم
بعيدًا عن نكهتها المميزة، تمتلك الطماطم خصائص مضادة للأكسدة يعود الفضل فيها إلى الليكوبين الذي يساعد على تقليل التهابات الدماغ وحماية الخلايا العصبية من التلف. وتشير توصيات غذائية تبناها باحثون في كوريا الجنوبية إلى ضرورة تناول ثلاث حصص على الأقل من الطماطم أسبوعيًا ضمن نمط غذائي داعم للدماغ.
ويمكن الاستمتاع بها طازجة في السلطات أو مطهية في الصلصات والشوربات.
البيض
يمثل البيض مصدرًا مهمًا لمادة الكولين، وهي عنصر أساسي لإنتاج الناقل العصبي “أسيتيل كولين” المسؤول عن الذاكرة والتعلم. وقد أظهرت دراسات حديثة ارتباط تناول البيض بانتظام بانخفاض خطر الإصابة بخرف ألزهايمر.
وتشير كوردينغ إلى ضرورة تناول الصفار تحديدًا، فهو الجزء الذي يحتوي على العناصر المفيدة للدماغ. وبفضل سهولة تحضيره، يمكن تناوله مسلوقًا كوجبة خفيفة أو ضمن أطباق السلطة أو مأكولات الإفطار.
البرقوق المجفف (القراصيا)
رغم ارتباطه الشائع بصحة الجهاز الهضمي، إلا أن البرقوق المجفف يُعد كنزًا غنيًا بمضادات الأكسدة التي يحتاجها الدماغ لمقاومة الإجهاد التأكسدي. وتوصي ماغي مون بتناوله يوميًا لتعزيز القدرات الإدراكية، سواء على شكل معجون في أطباق الحلوى أو الصلصات أو كوجبة خفيفة جاهزة.
عادات داعمة لصحة الدماغ
الغذاء ليس وحده العامل الحاسم في حماية الذاكرة، فالعادات اليومية تكمّل هذه المنظومة.
- تنويع المصادر النباتية: اجعل الفواكه والخضروات والبقوليات والمكسرات محور وجباتك، مع التقليل من الدهون الصلبة والسكريات المضافة.
- ضبط نسبة السكر في الدم: فارتفاعها المزمن قد يرتبط بتدهور القدرات الإدراكية.
- النشاط البدني المنتظم: أبحاث عدة تثبت أن التمارين، سواء الهوائية أو تمارين القوة، تحسن تدفق الدم إلى الدماغ وتدعم اللدونة العصبية.
- النوم الجيد: الحفاظ على مواعيد نوم واستيقاظ ثابتة يساعد الدماغ على التخلص من السموم وتعزيز تثبيت الذكريات.
- الترابط الاجتماعي: البقاء على تواصل مع الأصدقاء والعائلة والمجتمع عامل مهم في الوقاية من التدهور المعرفي.
- إدارة التوتر: فزيادة هرمون الكورتيزول الناتجة عن التوتر المزمن تؤثر سلبًا في صحة الدماغ، لذا يُنصح بممارسة تقنيات التنفس العميق أو التأمل.
خلاصة
صحة الدماغ تبدأ من المائدة، وتمتد إلى أسلوب الحياة بأكمله. فالاهتمام بتناول أطعمة غنية بالمغذيات الواقية — مثل البوليفينولات في زيت الزيتون، وأحماض أوميغا‑3 في الأسماك، والفولات في الخضار الورقية، والكولين في البيض، ومضادات الأكسدة في التوت والطماطم والقراصيا — يمنح الدماغ ما يحتاجه من دعم للحفاظ على الذاكرة والقدرة على التعلم. ومع التزام روتين نشط ونوم كافٍ وتوازن نفسي، يمكننا أن نمنح عقولنا فرصة استمرار التألق والإبداع لسنوات طويلة.
اقرأ أيضاً:
عصائر يومية لدعم صحة القلب وخفض الكوليسترول طبيعيًا
المغنيسيوم أم الزنك؟ خبراء النوم يكشفون أيهما الأفضل لتحسين جودة النوم










