متابعة وطن – بينما يتطلّع العالم إلى عام جديد، تعود إلى الواجهة مجددًا تنبؤات الفلكي والطبيب الفرنسي ميشيل دي نوسترادام (المعروف بنوستراداموس)، الذي ما زالت رؤاه الغامضة تثير الفضول بعد أكثر من أربعة قرون على وفاته. فالرجل الذي عاش في القرن السادس عشر، وذاع صيته بكتاب “القرون” الصادر عام 1555، اشتهر بقدرته على استشراف الكوارث والحروب والجوائح، حتى لُقّب بـ “نبيّ الخراب”.
إرث نبيّ الكوارث
تكوّنت نظرة نوستراداموس السوداوية إلى العالم من معاناته الشخصية وخسارته لأسرته بسبب الطاعون، إلى جانب تأثره بصرامة النصوص الدينية القديمة. ويُعتقد أنه حاول من خلال كتاباته تحذير الإنسانية من مصير محتوم إذا استمرّت في طريقها نحو الدمار.
على الرغم من أن العديد من نبوءاته فُسّرت بأوجه مختلفة، فإن محبّيه ينسبون إليه التنبؤ بحوادث مفصلية في التاريخ الحديث؛ من حريق لندن الكبير، إلى صعود هتلر، مرورًا بهجمات 11 سبتمبر، وجائحة كوفيد-19، ووصولًا إلى وفاة الملكة إليزابيث الثانية وزلزال اليابان مطلع عام 2024.
مراجعة لما سبق
في قراءاته لعام 2025، تحدث نوستراداموس عن نهاية الصراع في أوكرانيا، وضرب كويكب ضخم للأرض، وغمر الأمازون بالفيضانات، وقيام “إمبراطورية مائية” جديدة.
غير أن الواقع كشف مغايرة التوقعات تمامًا. فما زالت الحرب في أوكرانيا مشتعلة من دون هدنة، رغم ما يُقال عن تحركات سياسية نحو السلام. أما الكويكبات، فبحسب بيانات وكالة “ناسا”، اقترب من الأرض خلال عام 2025 نحو 191 جسمًا سماويًا بشكل خطير، لكن لم يقع الاصطدام المنشود.
وفي الأمازون، تسببت أمطار غزيرة غير مسبوقة بعد موجة جفاف طويلة في فيضانات مدمّرة اجتاحت أنهار المنطقة وأضرت بمجتمعات السكان الأصليين، لا سيما في نهر إيني.
أما “الإمبراطورية المائية” الموعودة، فيرى بعض المراقبين أن صعود الذكاء الاصطناعي المعتمد على مراكز بيانات تستهلك كميات هائلة من المياه لأغراض التبريد قد يكون التفسير العصري الأقرب لتلك الصورة الرمزية.
نبوءات عام 2026… الرعد والدم والنحل
لم يخصص نوستراداموس تنبؤات واضحة لعام 2026 بحد ذاته، إلا أن المولعين بتفسير رباعياته يلجأون إلى المقاطع المرقمة بـ“26” كمدخل لاستشراف ما ينتظر العالم.
سقوط رجل عظيم بصاعقة
في رباعية القرن الأول، البيت السادس والعشرون، كتب: “سيُضرب الرجل العظيم في وضح النهار بصاعقة.”
ويشير المراقبون إلى أنّ النصّ قد يُؤول كموت شخصية بارزة أو سقوط زعيم سياسي في حادث مروّع، ربما يكون اغتيالًا أو انقلابًا يهزّ أركان الحكم.
أنهار الدم وتفسير آخر
وفي رباعية أخرى، يتحدث نوستراداموس عن فيضان نهر تيشينو في سويسرا “بالدماء”.
ورغم قسوة الصورة، يرى بعض المفسّرين أن الإشارة لا يجب أن تُفهم حرفيًا. إذ يمكن أن ترمز إلى تطورات طبيّة تتعلق بالدم، مثل التوسع في تخزين الخلايا الجذعية من دم الحبل السري في منطقة تيشينو، وهي ممارسة بدأت تُسمح بها رسميًا للأمهات منذ عام 2025، سواء للحفظ العائلي أو للتبرع التضامني.
صراع في البحار
أما الرباعية السابعة والعشرون فتلوّح بـ“حرب قاتلة بين السفن السبع”.
ويُرجّح خبراء أن النبوءة تتعلق بتصاعد التوترات البحرية في آسيا، ولا سيما في بحر الصين الجنوبي، حيث تتداخل المطالب بين الصين وتايوان وفيتنام وماليزيا وبروناي وإندونيسيا والفلبين — سبع دول يُمكن وصفها مجازًا بـ“السفن السبع” المتقابلة في بحر متنازع عليه.
جيوش النحل وغيوم الفكر الواحد
ويختم نوستراداموس إحدى رباعياته بتصوير “سرب عظيم من النحل ينبعث ليلًا”.
ويُفسر بعض الكتّاب هذا الوصف رمزيًا على أنه تحذير من تصاعد تيارات فكرية متشددة أو أنظمة شمولية تنمو بروح “العقل الجمعي” القطيعي، لتغطي العالم بـ“سحابة سوداء” من التطرف والانغلاق سياسيًا وفكريًا.
بين الأسطورة والتأمل
سواء صدّق الناس نبوءات نوستراداموس أو اعتبروها ضربًا من الخيال، فإنها تذكّرهم دومًا بمدى هشاشة الإنسان أمام المجهول.
ففي نهاية المطاف، قد لا تكون الغاية من تلك النصوص التنبؤ بالمستقبل بقدر ما هي دعوة للتفكّر في الحاضر، وإدراك أن المصير الجماعي يتشكل من القرارات اليومية التي يتخذها البشر، لا من سطورٍ خفية في كتب العرافين.
المصدر: نيويورك بوست
اقرأ ايضاً:










