لندن – وطن – في تطور غير مسبوق منذ عقود، شهدت فنزويلا فجرًا مضطربًا حين دوّت أصوات الانفجارات في أرجاء العاصمة كاراكاس، مُعلنة عن تدخل عسكري أمريكي مباشر استهدف مواقع تابعة للمؤسسة العسكرية. وبعد ساعات من الغموض، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن زعيم فنزويلا نيكولاس مادورو قد أُلقي القبض عليه ونُقل خارج البلاد تمهيدًا لمحاكمته في الولايات المتحدة بتهم تتعلق بالأسلحة وتهريب المخدرات.
هذه العملية، التي وُصفت بأنها الأكبر من نوعها في أمريكا اللاتينية منذ اجتياح بنما عام 1989 للإطاحة بحاكمها مانويل نورييغا، أعادت إلى الأذهان صفحات من التاريخ الأمريكي حين استخدمت واشنطن القوة تحت شعار مكافحة الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات. واليوم تُقدَّم الحجة ذاتها لتبرير التدخل الجديد، مع تأكيد الإدارة الأمريكية أن الهدف هو “تفكيك شبكة تهريب يقودها النظام الفنزويلي”، وهي تهم لطالما أنكرها مادورو ووصفها بـ”الافتراءات السياسية”. وفق تقرير نشره موقع “بي بي سي” البريطاني.
خلفية الأزمة والاتهامات الدولية
ومنذ سنوات، حسب الموقع، يواجه النظام الفنزويلي انتقادات دولية متصاعدة بسبب سجلٍ حافل بانتهاكات حقوق الإنسان. ففي عام 2020، أشار تقرير صادر عن محققين في الأمم المتحدة إلى ارتكاب السلطات “انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية”، شملت القتل خارج إطار القانون والتعذيب والاختفاء القسري. كما وثّقت منظمات حقوقية وجود مئات المعتقلين السياسيين، بينهم ناشطون خرجوا في تظاهرات مناهضة للحكومة.
وفي المقابل، ظل مادورو يصف تلك التقارير بأنها “حملة تشويه غربية” تستهدف زعزعة استقرار الدولة. لكن التدخل العسكري الأمريكي الأخير وضع الأمور في مسار جديد، إذ لم يعُد الحديث يدور عن عقوبات أو ضغوط دبلوماسية، بل عن تغيير فعلي في رأس السلطة بالقوة.
المشهد السياسي بعد الإطاحة
ووقف مادورو على رأس السلطة في انتخابات 2024 المثيرة للجدل، والتي رفضت واشنطن ومعها قوى معارضة داخلية نتائجها، متهمة النظام بتزويرها ومنع مرشحين بارزين، بينهم زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، من خوض السباق. ونشر خصوم مادورو بيانات إلكترونية زعموا أنها تثبت فوزهم في الانتخابات، إلا أن المحكمة العليا الفنزويلية صادقت على نتائج فوز الرئيس المنتهية ولايته حينها.
واليوم، بعد سقوطه، يصف بعض المسؤولين الأمريكيين العملية بأنها “انتصار للحزم” بعد فشل كل الوسائل السياسية في إقناع مادورو بالتنحي. لكن أصواتًا أخرى داخل وخارج الولايات المتحدة حذّرت من أن الضربات في كاراكاس قد تفتح الباب أمام فوضى داخلية، وتغذي الرواية التي طالما رددها النظام السابق عن “عدوان خارجي يستهدف سيادة البلاد”.
ماذا بعد؟
ويؤكد تقرير “بي بي سي” إن المجهول يخيّم على المشهد الفنزويلي في هذه اللحظة. فلا أحد يعرف من سيملأ الفراغ السياسي، ولا كيف ستتم إدارة بلد غارق في أزمة اقتصادية مزمنة ونزوح جماعي غير مسبوق في تاريخه. وبينما يعتبر البعض أن إسقاط مادورو قد يُعيد الأمل ببدء مرحلة انتقالية، يخشى آخرون أن تتحول الأزمة إلى صراع إقليمي ممتدّ، يعيد إلى الواجهة إرث التدخلات العسكرية الأمريكية في أمريكا اللاتينية.
ان ما يحدث اليوم في كاراكاس لا يعني فنزويلا وحدها، بل يطرح سؤالاً جوهريًا حول طبيعة التغيير وحدوده: هل يمكن فرض الديمقراطية من الخارج بالقوة، أم أنها ثمرة إصلاح داخلي طويل؟
في بلد أنهكته سنوات من القمع والانقسام، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة شعبه على تجاوز الصدمة، وبناء مستقبل يستند إلى العدالة لا إلى الانتقام، وإلى السيادة لا إلى الوصاية.
اقرأ أيضاً:










