واشنطن – وطن – في خضم فجر سياسي مرتبك، وجد الأميركيون أنفسهم أمام مشهد غير متوقع: إعلان الرئيس دونالد ترامب عن تنفيذ ضربة عسكرية في فنزويلا انتهت – بحسب تصريحه – بالقبض على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته. الإعلان الذي نُشر عبر منصة “تروث سوشال” أثار عاصفة من الجدل داخل واشنطن، إذ انقسمت ردود الفعل بين مؤيدين يرون في العملية “انتصارًا للحرية”، ومعارضين اعتبروها خرقًا صارخًا للدستور ولصلاحيات الكونغرس وفق ما نقله موقع بوليتكو الأمريكي.
أزمة صلاحيات تفجرها ضربة عسكرية
وعبر أعضاء الحزب الديمقراطي عن غضبهم الشديد من الخطوة التي لم يُستشر فيها الكونغرس مسبقًا، معتبرين أن الإدارة نفذت عملًا عسكريًا غير مشروع وبدون خطة واضحة لما بعد “العملية”. وكتب النائب سيث مولتون على منصة “إكس” (تويتر سابقًا):
“الكونغرس لم يوافق على هذه الحرب، وفنزويلا لم تشكل خطرًا داهمًا على الولايات المتحدة. ما جرى مغامرة متهورة تكرر مشهد العراق بنسخة جديدة، دون تصور لليوم التالي.”
ومن جهته، دعا النائب جيم هايمز، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، إلى إحاطة عاجلة للكونغرس حول الأسس القانونية للعملية وخطة الإدارة لضمان استقرار المنطقة. وأوضح في بيان:
“مادورو حاكم غير شرعي، لكني لم أرَ دليلًا واحدًا يبرر عملاً عسكريًا دون تفويض تشريعي، كما لم نُبلّغ بأي استراتيجية لتفادي الفوضى اللاحقة.”
ترامب يردّ: “كل ما يفعلونه هو الشكوى”
وفي مواجهة الانتقادات، خرج الرئيس ترامب في مقابلة مع قناة “فوكس نيوز” مهاجمًا خصومه قائلاً إن الديمقراطيين “لا يفعلون سوى التذمر”، مضيفًا: “عليهم أن يقولوا: أحسنت. لا أن يتحدثوا عن الدستور في كل مرة”.
وظل الكونغرس، الذي لم يمنح تفويضًا باستخدام القوة في فنزويلا، منقسمًا منذ شهور بشأن قانونية الضربات السابقة التي استهدفت قوارب يُشتبه في تورطها بعمليات تهريب مخدرات في المياه الإقليمية لأميركا اللاتينية، كما فشل الديمقراطيون في تمرير تشريعات تُلزم الرئيس بالحصول على موافقة مسبقة قبل أي عمل عسكري مماثل.
دعوات لتقييد صلاحيات الرئيس في شن الحروب
السناتور الديمقراطي تيم كين، العضو في لجنة القوات المسلحة، أعلن عزمه إعادة طرح مشروع قانون لتقييد صلاحيات الرئيس العسكرية. وكتب متسائلًا:
“إلى أين سنصل بعد ذلك؟ هل سينشر الرئيس قواتنا في إيران أو غزة أو نيجيريا دون إذن؟ هل يستطيع أن يزج ببلادنا في أي نزاع يراه ملائمًا دون مساءلة تشريعية؟”
أما السناتور الجمهوري مايك لي، فقد شكك بدايةً في الأساس القانوني للضربة، لكنه قال لاحقًا بعد محادثة مع وزير الخارجية ماركو روبيو إن العملية تندرج ربما ضمن “السلطة الدستورية للرئيس لحماية الأميركيين من خطر وشيك”.
“تحوّل في الموقف” أم “تغيير نظام مقصود”؟
ورأت عدة شخصيات ديمقراطية في التحرك العسكري انقلابًا على وعود سابقة من مسؤولي الإدارة الذين أكدوا قبل أسابيع أمام مجلس الشيوخ أن عملياتهم في أمريكا اللاتينية لا تهدف لتغيير الأنظمة. السناتور آندي كيم علّق عبر “إكس” قائلاً:
“روبيو وهيغسِث تعهدا بأن الهدف ليس إسقاط مادورو. لقد كذبا على الكونغرس، والحقيقة أن الرئيس تجاهل العملية الدستورية لأن الشعب الأميركي لا يريد حربًا جديدة.”
أصوات من الميدان وأخرى من الداخل
السناتور روبن غايييغو، وهو من قدامى المحاربين في العراق، كتب غاضبًا:
“الشعب الأميركي لم يطلب هذه الحرب. رأيت الموت في العراق وعرفت ثمن الحروب غير المبررة. ما يحدث في فنزويلا تكرار لأخطاء الماضي.”
وتساءل: “من الذي يحكم فنزويلا الآن؟”
واستندت تساؤلاته إلى استطلاع أجري في ديسمبر أظهر أن 75٪ من الأميركيين يعارضون أي تدخل عسكري في فنزويلا، حتى في ظل استمرار عمليات مكافحة التهريب في المنطقة.
مواقف متباينة داخل الحزبين
النائبة ديبي واسرمان شولتز، التي تمثل جالية فنزويلية كبيرة في فلوريدا وترأس تجمع “الديمقراطية الفنزويلية” في الكونغرس، رحبت باعتقال مادورو معتبرةً أنه “خبر مرحّب به للشعب الفنزويلي”، لكنها حذّرت من أن تجاهل الكونغرس في مثل هذه العمليات “يهدد بإطالة عمر النظام غير الشرعي ذاته”.
في المقابل، قال النائب غيب فاسكيز إن ما جرى “يتناقض مع الإرادة الشعبية التي انتخبت الرئيس لإنهاء الحروب الخارجية غير الضرورية”، واصفًا العملية بأنها “تصعيد خطير دون تفويض قانوني”.
أما السناتور الجمهوري ليندسي غراهام، فهاجم منتقدي الضربة قائلاً إنهم “مشغولون بتفاصيل قانونية سخيفة”، ودافع عن العملية بوصفها “خطوة نحو الحرية في مواجهة مافيات المخدرات التي تتخذ من فنزويلا مركزًا لها”.
تحذيرات من “عراق جديد”
وبدأ الحديث من داخل أروقة الكونغرس، يدور عن “عراق جديد”، كما وصفه منتقدو التدخل، في إشارة إلى الخشية من أن تنزلق الولايات المتحدة إلى نزاع طويل الأمد وغير محسوب العواقب في أمريكا الجنوبية. وبينما يطالب الديمقراطيون بالكشف عن الخطط المستقبلية لتأمين الاستقرار في كراكاس، تصر الإدارة على أن العملية كانت ضرورية لـ”حماية المصالح الأميركية”.
ومع استمرار الجدل القانوني والسياسي، تبقى الأسئلة الأكثر إلحاحًا دون إجابة واضحة: ما هو المخرج من هذه الأزمة؟ ومن سيتحمّل تبعاتها إذا تحولت فنزويلا إلى ساحة صراع جديدة تُعيد إلى الأذهان ذكريات دامية من حروبٍ لم تندمل آثارها بعد؟
اقرأ أيضاً:










