رام الله – وطن – في تطوّر دولي لافت يعيد رسم خرائط النفوذ في مناطق بعيدة عن الشرق الأوسط، أثار اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته خلال عملية عسكرية أمريكية نهاية الأسبوع الماضي اهتمامات الإعلام الإسرائيلي وتفاعلاتٍ تتجاوز حدود أمريكا اللاتينية، لتصل تداعياتها غير المباشرة إلى طهران وتل أبيب معاً. فهذه الخطوة، وفق مراقبين، تمسّ أحد الشرايين الحيوية التي استخدمتها إيران لسنوات في تمويل ودعم حلفائها، وتشكل علامة جديدة على تقلّص دوائر نفوذها العالمية. وفق ما جاء في تقرير نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية بنسختها الإنجليزية وترجمته “وطن”
من شريك اقتصادي إلى حلقة دعم غير مباشرة
تقول الصحيفة: لم تكن فنزويلا يوماً ذراعاً إيرانية بالمعنى العسكري أو السياسي الصريح كما هو الحال مع حزب الله في لبنان أو الحوثيين في اليمن، لكنها أدّت وظيفة استراتيجية خفية: وفّرت لطهران بيئة مالية مرنة لنقل الأموال، وغسلها، وتمويل العمليات الخارجية بعيداً عن الرقابة الدولية. عبر شبكة معقّدة لعب فيها حزب الله دور الوسيط، تحوّلت كاراكاس إلى مركز خارجي لـ “اقتصاد الظل” الذي غذّى أنشطة إيران ووكلائها في الشرق الأوسط وفق الصحيفة.
وأضافت الصحيفة الإسرائيلية ان تحقيقات أمريكية ودراسات بحثية عدّة خلال السنوات الماضية، كشفت أن الحزب لم يكن يتحرك هناك كخلية نائمة، بل كمنظومة مالية وأمنية متكاملة داخل الاقتصاد الفنزويلي، محمية من قبل النظام نفسه. من تجارة الكوكايين إلى تهريب الأسلحة وتحويل الأموال، شكّل هذا النشاط مصدراً رئيسياً لتمويل التسليح في لبنان وخارجها.
تراجع في منظومة النفوذ الإيراني
ويأتي سقوط مادورو بعد سلسلة ضربات ميدانية أصابت المحور المدعوم من طهران في المنطقة: تراجع قدرات الحوثيين في اليمن، وتفكك بنية حزب الله العسكرية في لبنان، وسقوط نظام الأسد في سوريا، مع الحملة الإسرائيلية الواسعة على حماس في غزة. مجتمعةً، تبدو هذه التطورات دليلاً على تقلّص قدرة إيران على حماية امتداداتها في محيط إسرائيل وفي الساحات الأبعد عنها وفق ما جاء في الصحيفة.
فالمعضلة التي تواجهها طهران اليوم تقول الصحيفة لا تتعلق فقط باحتجاجات الداخل ولا بالعقوبات الاقتصادية، بل أيضاً بانهيار شبكات الدعم الخارجية التي استثمرت فيها مليارات الدولارات لتأمين موارد وتمويلات بديلة عن النظام المالي الغربي.
السياسة والإيديولوجيا: “العدو الصهيوني” كقناع سياسي
وعقب عملية التوقيف، ظهرت التصريحات الرسمية الفنزويلية حاملة نبرة مألوفة من خطاب المواجهة. نائبة الرئيس، ديلسي رودريغيز، وصفت العملية الأمريكية بأنها تحمل “دلالات صهيونية”، في ترديد شبه حرفي لخطاب طهران التقليدي. هذا الاتهام لم يكن مؤشراً على تورط إسرائيلي فعلي، بقدر ما عكس التماهي الإيديولوجي للنظام مع السردية الإيرانية التي تُرجع إخفاقاتها الداخلية إلى “مؤامرات خارجية” كما جاء في الصحيفة.
وتضيف “جيروزاليم بوست” ذلك الخطاب استُخدم لتأجيج الشعور الشعبي ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي معادلة رسّخها الرئيس الراحل هوغو تشافيز منذ قطْعه العلاقات مع تل أبيب عام 2009، ليقدّم فنزويلا بوصفها جزءاً من جبهة “مناهضة للإمبريالية”. لكن مع اعتقال مادورو، يبدو أن هذه المعادلة بدأت تتصدع.
فنزويلا الجديدة: اتجاهات محتملة
ورغم أن ملامح المرحلة المقبلة في كاراكاس لا تزال غير واضحة، وفق الصحيفة فإن التحولات السياسية المحتملة تحمل إشارات مغايرة. ماريا كورينا ماتشادو، أبرز رموز المعارضة والفائزة بجائزة نوبل للسلام، كانت قد وصفت في تصريحات سابقة إيران وحزب الله وحماس بأنهم “قوى أجنبية اخترقت الدولة الفنزويلية واستغلتها ضد مصالحها السيادية”. وفي حديث صحفي في نوفمبر 2025 أكدت أن “فنزويلا ما بعد مادورو ستعيد علاقاتها مع إسرائيل، بل ستكون أقرب حليف لها في أمريكا اللاتينية”.
وتصريحات كهذه لا تعبّر فقط عن نوايا سياسية، كما تعتقد الصحيفة بل تشير إلى قطيعة فكرية مع النهج الذي طبع سياسات تشافيز ومادورو لعقدين، حين كان التقارب مع طهران جزءاً من هوية النظام أكثر منه خياراً تكتيكياً.
الحسابات الإسرائيلية في المشهد الجديد
وبالنسبة لتل أبيب، وفق الصحيفة الإسرائيلية لا يشكل سقوط مادورو تغييراً استراتيجياً فورياً، لكنه يُعدّ خطوة إضافية في مسلسل تفكك البنية التي شيّدتها إيران خارج محيطها الجغرافي. فمنذ سنواتٍ تخوض إسرائيل معركة مفتوحة مع طهران على مستويات متعددة: النووي، الصواريخ، والتمويل. ومع خروج فنزويلا من المدار الإيراني، تفقد طهران منفذاً مهماً للإمداد المالي واللوجستي كانت تعتمد عليه في الالتفاف على العقوبات.
وقد لا يغيّر هذا التحول قواعد اللعبة في الشرق الأوسط فوراً، لكنه يعمّق عزلة إيران، ويضيّق هامش المناورة أمامها في وقت يتزايد فيها الضغط الداخلي والاقتصادي. وكما بُني نفوذها عبر العالم “قطعة بعد قطعة”، يبدو أنه يتآكل اليوم بالطريقة ذاتها. والكلام منسوب للصحيفة الإسرائيلية.
اقرأ أيضاً:










