في تحول مفاجئ يعيد رسم ملامح السياسة الأمريكية في أمريكا اللاتينية، أطلقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطة عسكرية وسياسية واسعة في فنزويلا، مثّلت واحدة من أكثر التحركات إثارة للجدل في التاريخ الحديث للعلاقات بين البلدين. العملية، التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، فتحت الباب أمام أسئلة كبرى حول حدود القوة الأمريكية، ومستقبل السيادة الفنزويلية، والمآلات غير المتوقعة لهذا التدخل على الداخل الأمريكي نفسه.
من الغموض إلى السيطرة: واشنطن تمسك بخيوط كاراكاس
إثر العملية الخاصة التي نفّذتها قوات أمريكية ونُقل على أثرها مادورو إلى نيويورك للمثول أمام القضاء، أعلنت نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز توليها مهام القيادة المؤقتة. لكن المفاجأة لم تكن في التغيير السياسي، بل في تصريحات الرئيس ترامب الذي أعلن أمام الصحفيين “نحن من يدير فنزويلا الآن”، في تعبير أثار انتقادات واسعة واعتُبر دليلاً على توجه نحو فرض إدارة مباشرة على بلد ذي سيادة يبعد نحو ألف ميل عن الأراضي الأمريكية.
ترامب أشار كذلك إلى أن العملية تمثل نموذجاً جديداً من “القيادة الأمريكية” في النصف الغربي من الكرة الأرضية، مؤكداً أن بلداناً مجاورة مثل كولومبيا والمكسيك مطالبة “بتصحيح أوضاعها”، في ما بدا أنه توسيع لدائرة النفوذ الأمريكي انطلاقاً من التجربة الفنزويلية.
التحدي بعد الإطاحة: إدارة ما بعد مادورو
تواجه الإدارة الأمريكية الآن مرحلة ما بعد العملية العسكرية، وهي الأكثر تعقيداً. ففي واشنطن، تتسابق مؤسسات الدولة لوضع تصور لإدارة فراغ السلطة في كاراكاس من دون الانجرار إلى فوضى سياسية أو أمنية. البيت الأبيض يسعى لضمان بقاء مؤسسات الحكم قائمة من دون انهيار أو مواجهات داخلية قد تجعل “نصر ترامب العسكري” عبئاً سياسياً خلال عام انتخابي أمريكي حساس.
في الوقت ذاته، أثارت تصريحات ترامب حول “إدارة” فنزويلا ومطالبه بالحصول على نصيب من موارد النفط الفنزويلي موجة من الانتقادات تتعلق بشبهات “نزعة استعمارية جديدة”.
وزير الخارجية ماركو روبيو حاول تهدئة هذه المخاوف بتوضيحه أن الهدف هو “إعادة الاستقرار ومحاربة الفساد وتجارة المخدرات”، مؤكداً أن العقوبات النفطية ستبقى مفروضة لإجبار القيادات المتبقية في النظام الفنزويلي على الالتزام بالشروط الأمريكية.
أما السيناتور الجمهوري توم كوتون فقد لخّص المقاربة الجديدة بقوله: “حين يقول الرئيس إن الولايات المتحدة ستدير فنزويلا، فهو يقصد أن على القيادة الجديدة في كاراكاس أن تفي بمطالبنا”.
رودريغيز بين المطرقة الأمريكية وسندان إرث تشافيز
باتت نائبة الرئيس السابقة، ديلسي رودريغيز، محوراً مركزياً في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة. فبينما تُظهر واشنطن استعداداً للتعامل معها بوصفها شريكاً محتملاً، يحذر خبراء من أن ارتباطها الطويل بالتيار التشافيزي يجعلها أسيرة لدوائر النفوذ القديمة.
أحد مستشاري المخاطر الجيوسياسية أوضح أن رودريغيز “لا تملك السيطرة الكاملة على الفصائل المسلحة في الداخل، وعليها التوازن بين مطالب واشنطن ومتطلبات بقائها السياسي”.
ترامب نفسه وجه تحذيراً صريحاً في مقابلة صحفية مفاده أن رودريغيز “ستدفع ثمناً باهظاً إذا لم تلتزم بما هو مطلوب منها”، ما أثار تكهنات حول إمكانية حدوث مواجهة جديدة في حال تمردها على الإرادة الأمريكية. وفي المقابل، أصدرت رودريغيز مساء الأحد بياناً تحدثت فيه عن “أجندة تعاون” مع الولايات المتحدة، دون أن تتخلى عن إشارات الولاء للنظام السابق.
انتكاسة للديمقراطية الفنزويلية
الخطير في الموقف الأمريكي الأخير هو ما اعتبره معارضون “تراجعاً عن دعم الحركة الديمقراطية الفنزويلية”. ففي مؤتمر صحفي بمنتجع مارالاغو، تجاهل ترامب تماماً حديثه السابق عن الاعتراف بالزعيم المعارض إدموندو غونزاليس، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره الفائز في الانتخابات الأخيرة التي رفض مادورو الاعتراف بنتيجتها، كما قلل من شأن ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام وأحد رموز المعارضة، قائلاً إنها “امرأة لطيفة لكنها لا تحظى باحترام كافٍ في الداخل”.
هذا الموقف خيّب آمال الكثير من الفنزويليين الذين كانوا ينتظرون أن تفتح إزاحة مادورو الباب أمام مرحلة ديمقراطية جديدة. السيناتور روبيو حاول الدفاع عن الموقف الرسمي قائلاً إن “الانتقال إلى الديمقراطية يحتاج وقتاً، ولا يمكن تنظيم انتخابات بعد 24 ساعة من اعتقال مادورو”. لكنه أقر في الوقت نفسه بأن المصالح الأمريكية هي الأولوية الراهنة.
جدل في واشنطن وانقسام في الداخل
في الكونغرس، اشتعلت المعركة السياسية مجدداً. الديمقراطيون ندّدوا بما وصفوه “تجاوزاً دستورياً” لرئيس لم يحصل على تفويض من الكونغرس لشنّ عملية عسكرية تحمل سمات “عمل حربي”. النائب جيم هايمز لخص الموقف المعارض قائلاً: “كنا نؤمن بأن للشعوب الحق في اختيار من يحكمها. هل تخلينا عن هذه المبادئ؟”.
أما الجمهوريون، فبدوا ملتفين حول الرئيس، على الأقل في المدى القريب، معتبرين أن العملية “تجسيد لقيادة أمريكية قوية”. غير أن مراقبين في واشنطن يحذرون من أن العملية قد تعمّق الانقسامات داخل التيار الشعبوي المؤيد لترامب إذا ما تحولت فنزويلا إلى مستنقع سياسي أو عسكري.
بين الدبلوماسية والقوة: مستقبل مفتوح على المجهول
يرى عدد من الخبراء أن واشنطن تتكرر خطأً طالما وقعت فيه في العقود الماضية، وهو بناء سياسات خارجية تبدو منطقية على الورق لكنها تتهاوى أمام واقع الدول المستهدفة. فكما قال السفير الأمريكي السابق لدى الناتو إيفو دالدر: “من المستحيل أن تدير الولايات المتحدة فنزويلا من دون موارد وإمكانات حقيقية للحكم، وهذا التناقض بين الوسائل والأهداف سينقلب ضدنا”.
وبينما تراهن الإدارة الأمريكية على تحويل فنزويلا إلى دولة “صديقة” تُبعد النفوذ الروسي والصيني وتعيد تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، يخشى محللون أن يدفع الشعب الفنزويلي مرة أخرى ثمن الصراع بين القوى الكبرى، وأن يتحوّل حلم الخلاص من الديكتاتورية إلى مرحلة أخرى من التبعية والفوضى.
اقرأ أيضاً










