وطن-قد يبدو التفكير في رسم خريطة لكل خلية في جسم الإنسان ضربًا من الخيال العلمي، إلاّ أن هذا الحلم بات واقعًا يتشكل بخطوات مدروسة. فمنذ أن انطلقت الفكرة عام 2016 لتأسيس ما يشبه “خرائط جوجل” للجسم البشري، تحولت المبادرة إلى واحد من أكثر المشاريع العلمية طموحًا في تاريخ البحث الطبي الحديث.
اليوم، وبعد مرور ثماني سنوات ضمّ هذا المشروع، المعروف باسم «أطلس الخلايا البشرية» أكثر من 3600 عالم من مختلف أنحاء العالم، يعملون ضمن تحالف علمي يوصف بمشروعات “العلوم الكبرى” أو الميغاعلوم. هؤلاء الباحثون يوظفون أحدث ما توصلت إليه التقنيات الحيوية والذكاء الاصطناعي لفك شفرة بنية الإنسان الدقيقة، خلية تلو الأخرى.
مهمة بحجم الحياة
يتكوّن جسم الإنسان من ما يقرب من 37 تريليون خلية، تعمل بتناغم مذهل لتنفيذ وظائف الحياة اليومية. وبينما يعرف الجميع أن في أجسامنا 206 عظام وقرابة 800 عضلة و79 عضوًا، فإن إدراك حجم التعقيد على مستوى الخلية يجعل من فكرة رسم خريطة تفصيلية كاملة إنجازًا خارقًا للحدود العلمية.
ومع أن المهمة بدت مستحيلة في بداياتها، فإن العلماء قطعوا شوطًا لافتًا؛ إذ تمكنوا حتى الآن من إتمام خرائط ثلاث منظومات رئيسية في الجسم: العين، والرئة، والجهاز العصبي. ويعمل الباحثون على إنجاز خرائط لـ 15 جهازًا آخر ضمن الخطة الشاملة التي تشمل 18 عضوًا ونظامًا حيويًا.
معرفة عميقة عبر الخلية
يُذكر أنه تم تحليل أكثر من 60 مليون خلية، مع الحرص على أن تمثل العينات تنوع البشر حول العالم، وأن تغطي مراحل النمو كافة، ابتداءً من التكوين الجنيني وصولاً إلى الشيخوخة. هذا الكم الهائل من البيانات لا يُسجَّل فحسب، بل يُحلَّل عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتتبع الفروق الدقيقة بين الأنسجة السليمة وتلك المصابة بالأمراض.
في نوفمبر 2024، شكّلت أربعون دراسة علمية نُشرت في مجلة نيتشر خطوة بارزة في مسار المشروع، ووصفتها الجهة المشرفة بأنها “تقدم كبير نحو فهم خلايا الجسم البشري في الصحة والمرض”. وتشمل النتائج مكتشفات تتعلق بتكوّن المشيمة والهيكل العظمي، وبالتحولات التي يمر بها الدماغ أثناء النمو، وبأنماط جديدة لخلايا الأمعاء والأوعية الدموية، إضافة إلى فهم تأثير العوامل الوراثية في الاستعداد للإصابة بأمراض معينة أو الاستجابة لـ«كوفيد-19».
حين تتحد العقول لخدمة الإنسان
لا تُعتبر فكرة مشروع الأطلس الخلوي مشروعًا قائمًا بذاته فحسب، بل يمثل نموذجًا لما يسمى اليوم «الميغاعلوم», وهو تعاون علمي واسع النطاق بين مؤسسات وعلماء من شتى أنحاء العالم، يتاركون الموارد والمعرفة لتحقيق أهداف لا يمكن لأي فريق صغير إنجازها منفردًا. ويشبه هذا التعاون من حيث الأثر مشروع الوصول إلى القمر في ستينيات القرن الماضي، غير أن وجهته اليوم هي أعماق الجسد البشري لا الفضاء الخارجي.
وفي الولايات المتحدة، يعمل مشروع آخر مكمّل يعرف باسم «الأطلس الجزيئي الحيوي البشري – HuBMAP»، بجهود نحو 400 عالم، على رسم خرائط دقيقة لأنسجة مثل المشيمة والكلى والأمعاء، في تناغم علمي يغذي الجهود العالمية الكبرى.
من خلية الإنسان إلى خريطة الحياة على الأرض
ولا يتوقف الطموح عند الجسد البشري وحده؛ ففي مبادرة موازية، يقود الباحث الكتالوني أرناو سيبي بيدروس مشروعًا فريدًا تحت اسم «الأطلس الخلوي للتنوع الحيوي»، يهدف إلى بناء قاعدة بيانات شاملة ترصد أنواع الخلايا في الكائنات الحية كافة، من القشريات إلى الحيتان. هذه المقاربة تفتح نافذة لفهم تنوع الحياة على الكوكب بوصفه شبكة من الأنظمة الخلوية المترابطة.
نحو طب أكثر إنسانية
مع كلّ علمية لتفكيك بيانات خلية حية في جسم الإنسان، تقترب البشرية خطوة من مستقبل طبي أكثر دقة وإنصافًا. فمشروع الأطلس الخلوي البشري لا يعد وعدًا علميًا فحسب، بل استثمارًا في حياة الإنسان ذاته، الأمر الذي يمكّن الأطباء مستقبلاً من فهم جذور الأمراض وتصميم علاجات مخصصة تستند إلى معرفة شاملة بأسرار تكوين جسم الإنسان.
ختامًا, قد لا تكون هذه الخريطة مجرد إنجاز علمي، بل وثيقة إنسانية وهدفًا موحدًا يجمع علماء من كافة أصقاع العالم، بحثًا عن إجابة سؤال واحد ظل يرافق الإنسان منذ الأزل: كيف تعمل الخلايا الحية داخل جسم الأنسان؟
اقرأ أيضا:










