واشنطن – وطن – تثير مبادرات العطاء التي يقودها بعض الأثرياء حول العالم نقاشاً متجدداً حول حدود المسؤولية الاجتماعية، والاتجاهات التي يمكن أن تتخذها الأموال الخيرية عندما تلامس قضايا سياسية أو إنسانية حساسة أو تصنيفات سياسية للإرهاب والمنظمات الإرهابية. وفي هذا الإطار، برزت أخيراً قضية تتعلق بمساهمات المليارديرة الأميركية ماكنزي سكوت، التي وُصفت لسنوات بأنها من أكثر الشخصيات سخاءً في عالم العمل الخيري، بعد أن تبيّن أن إحدى المنظمات التي تبرعت لها كانت قد قدّمت دعماً لجماعات تواجه تحقيقات فيدرالية في الولايات المتحدة.
سياق العطاء
منذ عام 2020، قدّمت سكوت ما يفوق 26 مليار دولار لأكثر من 2700 جهة غير ربحية، لتصبح بين أبرز فاعلي الخير في العالم إلى جانب أسماء بارزة مثل بيل غيتس ووارن بافيت.
وخلال عام 2025 وحده، خصصت أكثر من 7 مليارات دولار لمشروعات تتصل بالتعليم العالي، والإغاثة من الكوارث، وبرامج التنوع والمساواة والإدماج. ومع ذلك، فإن إحدى هباتها في ذلك العام سلّطت الضوء على جدل متنامٍ حول انعكاسات التمويل غير المقيّد في المشاريع ذات الطابع الحقوقي والسياسي.
منظمة تضامن مثيرة للجدل
أعلنت سكوت عبر منصتها الخيرية “ييلد غيفينغ” عن تبرعها بمبالغ كبيرة لشبكة “سوليدير نتوورك”، وهي منظمة تُعرّف نفسها بأنها تسعى إلى “تمكين الحركات الاجتماعية وتعزيز العدالة بروح التعاون والحب”. وتظهر السجلات الضريبية وبيانات الشبكة أن هذا التمويل شمل دعماً لجماعات من بينها “طلاب من أجل العدالة في فلسطين” (SJP) و”المسلمون الأميركيون من أجل فلسطين” (AMP) وشبكات شبابية وجمعيات مجتمعية فلسطينية في الولايات المتحدة.
ووفق موقع “فورتشن” وحسب بيانات “ييلد غيفينغ”، فقد حصلت الشبكة على خمسة ملايين دولار من سكوت في عام 2025، بعد تبرع سابق بقيمة عشرة ملايين عام 2021. غير أن منظمتين ضمن هذا الإطار تواجهان حالياً تحقيقات داخل الكونغرس الأميركي، تتعلق باتهامات بتنسيق بعض أنشطتهما مع حركة “حماس”، خصوصاً في سياق التظاهرات المناهضة لإسرائيل بعد هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
التحقيقات والمخاوف السياسية
وأعربت اللجان الفيدرالية المعنية بالرقابة والمساءلة في مراسلات رسمية عن قلقها من احتمال تلقي منظمات طلابية أو أكاديمية داخل الولايات المتحدة تمويلاً من جهات قد يُشتبه في ارتباطها بجماعات مصنّفة إرهابية. وفي المقابل، جاءت انتقادات من بعض المشرّعين، بينهم السيناتور الجمهوري توم كوتون، الذي دعا مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى التدقيق في أنشطة “الحركة الفلسطينية الشبابية”، بعد دعوات من قياداتها اعتُبرت تحريضية ضد برامج تسليح أميركية حساسة.
أبعاد النقاش
وفي خضم هذا الجدل، شدّدت شبكة “سوليدير” على أن رسالتها تتمحور حول دعم العدالة العرقية والمناخية والاقتصادية، مؤكدة أن منح سكوت غير المشروط “يعزز طموحاتها الجماعية في بناء منظومات عادلة ومستدامة”. وأوضحت المنظمة أن تمويلاتها توزَّع أيضاً عبر صناديقها المتخصصة مثل “صندوق التحرر الأسود” و”صندوق حماية الحركات الاجتماعية”، مشيرة إلى أن مساهمة سكوت ليست سوى جزء من مساهمات أكثر من 280 مانحاً شاركوا في دعمها عام 2021.
ورغم غياب الأدلة التي تربط تبرعات سكوت مباشرة بالمنظمتين موضع التحقيق، فقد دفع النقاش بعض الأوساط السياسية إلى المطالبة بمزيد من الشفافية في توجيه الأموال الخيرية الكبرى، خصوصاً تلك التي تُمنح دون شروط محددة لاستخدامها.
الجانب الإنساني للعطاء
وبعيداً عن الجدل، تنظر الأوساط الأكاديمية والخيرية إلى سكوت كإحدى أبرز نماذج العمل الإنساني في السنوات الأخيرة. فقد قدّمت دعماً واسعاً لمؤسسات التعليم العالي، من بينها تبرع بقيمة 80 مليون دولار لجامعة هوارد، جاء في فترة حرجة واجهت فيها الجامعة تأخيراً في مخصصاتها الفيدرالية. كما خصصت تمويلات متكررة لبرامج الإغاثة والمناخ ورعاية قدامى المحاربين.
وتستمد سكوت فلسفتها في العطاء من تجارب شخصية مبكرة، إذ ذكرت في إحدى مقالاتها أن كرم طالبة جامعية أقرضتها ألف دولار كي لا تضطر إلى ترك الدراسة، وطبيباً ساعدها مجاناً في علاج أسنانها، تركا أثراً عميقاً في قناعتها بأن “الكرم يمكن أن يطلق سلسلة من التفاعلات الإيجابية التي تستمر لسنوات”.
اقرأ أيضاً:










