وطن-في سنوات المراهقة، يعيش الإنسان واحدة من أكثر مراحل تكوينه حساسية وتعقيدًا، حيث تتشكّل المنظومة العاطفية ويعاد ترتيب روابط الدماغ بشكل جوهري. في هذا العمر، لا يكون الجزء المسؤول عن المنطق وضبط الانفعالات في الدماغ — أي القشرة الجبهية — قد اكتمل نموه بعد، مما يجعل المشاعر الجياشة تتدفق بقوة تفوق قدرة الشاب أو الفتاة على تسميتها أو التعامل معها.
ورغم أن هذه الاضطرابات الانفعالية أمر طبيعي في طريق النضج، إلا أنّ طريقة تعبير المراهق عنها قد تربك الأهل والمعلمين. فالجملة العابرة التي يرددها بعض المراهقين: «لا يهمني» — والتي قد تبدو علامة على اللامبالاة أو قلة الاحترام — تخفي في عمقها رسالة استغاثة لا تُقال مباشرة.
ماذا وراء عبارة «لا يهمني»
يشرح علم النفس التنموي هذا السلوك من خلال مفهوم يُعرف بـ«الانفصال الدفاعي». فعندما يكرر المراهق عبارة «لا يهمني» تجاه دراسته أو أصدقائه أو مستقبله، فإنه في الواقع يحاول حماية ذاته من الشعور بالفشل أو العجز أو الرفض. يقول المختصون إن هذه الجملة تعمل درعًا نفسيًا: فحين يوهم نفسه بأن الأمر لا يعنيه، يتجنب مواجهة الخوف، ويشعر مؤقتًا بالأمان من الألم النفسي. إنها قناع من اللامبالاة يغطي مشاعر قلق وخيبة أو إحساسًا داخليًا بعدم القدرة على السيطرة.
جذور هذا السلوك
ترتكز هذه الظاهرة على ثلاثة محاور أساسية توثقها أبحاث علم الأعصاب والسلوك وهي كالاتي:
أولاً: الخوف من الفشل وضغط التوقعات.
الدماغ في سن المراهقة شديد الحساسية للنقد ولنظرة الآخرين، كما يبحث بإلحاح عن التقدير والقبول. وعندما يعجز الشاب عن تحقيق توقعاته أو توقعات أهله، يتولد لديه توتر مزمن يجعل مشاعر الإحباط طاغية. عندئذٍ تصبح عبارة «لا يهمني» وسيلة للهروب من الإحساس بالعجز، وكأنها إعلان داخلي: “أنا المتحكم في الموقف، حتى لو بالتجاهل”.
ثانيًا: صعوبة ضبط الانفعالات.
يعيش المراهقون مشاعرهم بعنف يفوق إدراكهم لكيفية إدارتها. وغياب مهارات التعبير العاطفي قد يدفعهم إلى الانسحاب أو الانغلاق. وفي كثير من الأحيان تكون كلمة «لا يهمني» محاولة لفظية لقطع الاتصال العاطفي، يختار بها المراهق الانفصال عن الشعور بدلًا من مواجهته أو تفسيره.
ثالثًا: الحاجة إلى الأمان العاطفي.
على نحو غير معلن، تُستخدم هذه العبارة لاختبار عمق الحب والقبول من قِبل الوالدين. فالمعنى الخفي فيها أشبه بسؤال صامت: «هل ستظلان إلى جانبي حتى وإن لم أكن كما تتمنيان؟». إنها طريقة مراهقة لطلب الطمأنينة في وقت تهتز فيه ثقة الشاب بنفسه وبعلاقاته.

كيف يتعامل الأهل مع الرسالة الخفية؟
إنّ التفاعل القاسي مع هذه العبارة — عبر اللوم أو العقوبة أو المحاضرات — لا يزيد الموقف إلا تعقيدًا، لأنه يؤكد للمراهق شعوره بأن العالم لا يفهمه.
لذلك، ينصح الخبراء باتباع نهج أكثر احتواء:
- الاعتراف بالمشاعر بدل نفيها. محاولة تصحيح العبارة مباشرة («بل يهمك الأمر») قد تغلق الحوار. من الأفضل أن يسمع المراهق تفهّمًا لحالته، مثل: «يبدو أن هذا الأمر مرهق لك الآن». هذه الجملة تنزع القناع وتصل إلى جوهر الإحساس.
- تخفيف التوقعات وزيادة القرب. يحتاج الأبناء في هذه الفترة إلى أن يشعروا بأن حب والديهم غير مشروط بدرجات أو سلوكيات. الوجود الهادئ والمتفهم غالبًا أعمق أثرًا من النصائح الطويلة.
- مساعدة المراهق على تسمية مشاعره. فخلف عبارة «لا يهمني» تختبئ عادة مشاعر خوف أو حزن أو خجل. وعندما يساعده الأهل على تحديد تلك المشاعر بالكلمات، يهدأ نشاط مناطق الخوف في الدماغ، ما يمنحه القدرة على استيعاب الموقف.
رسالة إنسانية في وقت مضطرب
في الحقيقة, ليست اللامبالاة الظاهرية دلالة على برود أو تمرد دائم، بل انعكاس لصراع داخلي بين الرغبة في الاستقلال والخوف من الخسارة. إن دور الأهل في هذه المرحلة ليس تقويم «الفتور»، بل محاولة اكتشاف الألم الذي يغطيه. فعبارة «لا يهمني» تعني في حقيقتها: «يهمني كثيرًا، لكني خائف من أن أتأذى».
في نهاية المطاف، عندما يتعامل الكبار مع هذا النداء بحكمة وصبر، يتحول الصراع إلى فرصة للفهم والنضوج. فخلف كل جفاف ظاهري يقف قلب يطلب الطمأنينة، وينتظر من بالغٍ مطمئن أن يتفهّم شعوره ويحتويه, ويؤكد له أنه ليس وحده في هذه الرحلة الصعبة نحو النضج.










