وطن-في قصة استثنائية تلفت الأنظار إلى مفهوم الراحة العصرية ومرونة أنماط السكن، عاش زوجان بريطانيان أكثر من عشرين عامًا في غرفة واحدة في فندق، رغم امتلاكهما شقة خاصة لم يستخدماها إلا نادرًا. لم يكن الأمر مرتبطًا بضيق مالي أو فقدان السكن، بل نتج عن خيارٍ واعٍ بحثًا عن بساطة الحياة اليومية وتخفيف أعبائها.
بدأت الحكاية منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حين قرر ديفيد وجين ديفيدسون المكوث في فندق خلال زيارة عائلية. كانت التجربة مريحة إلى حدٍّ جعلهما يعيدان النظر في فكرة «البيت التقليدي». ففي الفندق، لا يشغلان بالهما بتنظيف أو صيانة أو فواتير متقلبة، بل يحصلان على خدمات ثابتة ومنتظمة مقابل كلفة محددة.
من إقامة قصيرة إلى حياة كاملة
بمرور الوقت، تحولت الإقامة المؤقتة إلى أسلوب حياة. ومع ازدياد شعورهما بالاستقرار، اختار الزوجان عام 1997 حجز غرفة دائمة في أحد فنادق سلسلة “ترافيلودج” القريبة من طريق A1 في مقاطعة لنكولنشاير. هكذا أصبحت الغرفة رقم (1) عنوانًا ثابتًا لهما طوال عقدين من الزمن.
اقتصاديًا، كان القرار منطقيًا بالنسبة لهما. فقد كان الحجز المسبق السنوي يتيح لهما أسعارًا تفضيلية تراوحت — في تلك الفترة — بين 90 جنيهًا إسترلينيًا أسبوعيًا (أي قرابة 115 دولارًا بأسعار مطلع الألفية). هذا المبلغ شمل خدمات التنظيف والملابس والمرافق الأساسية، وهو ما وفر عليهما أعباء ضرائب العقارات وصيانة الشقة وتقلب أسعار الطاقة. وقد قُدّر مجموع إنفاقهما خلال عقدين بين 100 و150 ألف جنيه إسترليني، وفق اختلاف الحسابات وأسعار الصرف آنذاك.
مسكن يلائم احتياجات خاصة
كان لهذه التجربة جانب إنساني آخر. إذ كانت جين تستخدم كرسيًا متحركًا وتعاني من مرض عظمي يجعل صعود الأدراج صعبًا، بينما تقع شقتهما الأصلية في طابق علوي بلا مصعد. لذلك وفّر الفندق حلاً عمليًا: مدخل أرضي، حمام مُهيأ للاستخدام، وبيئة آمنة بإضاءة ثابتة وحرارة معتدلة شتاءً. ومن دون الحاجة لأي تعديل أو تكاليف إضافية، تحوّل المكان إلى بيتٍ مريح يخدم احتياجاتها اليومية.
روتين مستقر وحياة بسيطة
مع مرور السنوات، أصبح كل شيء منظمًا بإيقاع هادئ ومستقرّ؛ فعادة ما يتناولون الوجبات من المطاعم المجاورة، بينما تُغسل ثيابهما خارجا الفندق، وهكذا أصبح عمال النزل يعرفون تفاصيلهما اليومية. وحتى في الأعياد والزيارات العائلية، بقيت طقوس حياتهما كما هي — مرنة ومستقرة. فضيق المساحة ساعدهما على الاحتفاظ فقط بما هو ضروري أو عزيز، دون تراكم أشياء كثيرة.
حتى أثناء السفر، لم يتغيّر نمط حياتهما؛ ففي الخارج يفضلان الإقامة في الفنادق، وغالبًا ما يكون ذلك في نفس سلسلة الفنادق في إنجلترا التي منحتهم إحساس «البيت المستقر».
شهرة غير مقصودة ونهاية مختلفة
لم تمر التجربة طويلاً دون أن تثير فضول وسائل الإعلام البريطانية، فانتشرت القصة وتصدرت العناوين بوصفها حالة غير مألوفة في عالم السكن. وعندما علم الفندق حجم الاهتمام، احتفى بزبونيه الدائمين بطريقته الخاصة، إذ أطلق اسم “جناح ديفيدسون” على الغرفة التي احتضنتهما لعقود، ووضع لوحة تخليدًا لتجربتهما الفريدة.
ما وراء الحكاية
قد تبدو القصة غريبة، لكنها تفتح نقاشًا حول مفهوم «البيت» في العصر الحديث، حيث لم تعد المساحة المادية وحدها معيار الاستقرار. فبالنسبة إلى الزوجين، كان الأمان، الراحة، والاستمرارية أهم من الجدران والأثاث. إنها دعوة للتفكير في أنماط العيش الجديدة وكيف يمكن للبساطة أن تتحول إلى رفاهٍ مستدام.
اقرأ أيضاً
في زمن “الإعجاب” الرقمي… حين تتحول الحاجة إلى القبول إلى قيدٍ غير مرئي
عبارة واحدة يخفي بها المراهق صرخته طلبًا للمساعدة










