وطن-على مدى عقود طويلة، حيّر مرض الذئبة الذي يؤثّر في الجهاز المناعي, العلماء بسبب طبيعته المعقدة وقدرته على مهاجمة أنسجة الجسم ذاته. ورغم التقدّم في فهم الطب الحديث، ظلّ السؤال مطروحًا: لماذا يصيب هذا الاضطراب البعض دون سواهم؟ اليوم، يحمل فريق بحثي من جامعة ستانفورد الأميركية إجابة علمية واضحة تضع حدًا لأحد الألغاز الطبية تعقيدًا.
خلفية العلاقة بين فيروس شائع ومرض نادر
يتّفق المجتمع العلمي منذ سنوات على ملاحظة لافتة: الغالبية الساحقة من المصابين بالذئبة يحملون أيضًا فيروس إبشتاين-بار، وهو الفيروس نفسه الذي يصيب أكثر من 95% من سكان العالم في مرحلة من حياتهم. إلا أن انتشار الفيروس الواسع جعل من الصعب تمييز ما إذا كان هذا الترابط مجرد مصادفة أم علاقة سببية مباشرة.
لكن الدراسة التي قادها البروفيسور ويليام روبنسون من جامعة ستانفورد تمكنت من تحديد الآلية الجزيئية بدقة، لتوضح كيف “يخدع” الفيروس جهاز المناعة ويدفعه إلى مهاجمة الجسم كما لو كان عدواً غريبًا.
ما هو مرض الذئبة وما تأثيره؟
تعتبر الذئبة الحمامية الجهازية اضطراباً مناعياً مزمناً يجعل جهاز الدفاع في الجسم يعجز عن التفريق بين الخلايا السليمة والعوامل المسببة للمرضة تظهر الأعراض في أشكال متعددة، منها الإرهاق الشديد والطفح الجلدي والتهابات المفاصل، وقد تمتد إلى مضاعفات خطيرة تطال الرئتين أو الكليتين.
قصص المشاهير المصابين بهذا المرض، مثل المغنية سيلينا غوميز التي خضعت لزرع كلية عام 2017، أبرزت حجم المعاناة التي يعيشها نحو خمسة ملايين شخص حول العالم.
كيف يهاجم الفيروس الخلايا المناعية؟
اعتمد باحثو ستانفورد على تقنيات متقدمة لتحليل جينات الخلايا البائية، وهي خلايا الدم البيضاء المسؤولة عن إنتاج الأجسام المضادة. أظهرت النتائج مفارقة واضحة: في الأشخاص الأصحاء لا يتجاوز عدد الخلايا المصابة بالفيروس خلية واحدة من كل عشرة آلاف خلية، بينما ترتفع النسبة في مرضى الذئبة إلى خلية واحدة من بين كل أربعمئة.
لا يقتصر هذا الفارق الجذري على الأرقام فقط، بل على ما يسببه من تفاعل. إذ يقوم الفيروس بتنشيط ما يشبه “مفتاحًا جينيًا” داخل الخلية المصابة، يجعلها تعمل كمحرض خاطئ يرسل إشارات إنذار إلى الجهاز المناعي، فيتحرك الأخير لتدمير أنسجة الجسم ذاته. بذلك يتحول نظام الدفاع الطبيعي إلى قوة مدمّرة داخلية.
لماذا لا يصاب الجميع بالمرض؟
رغم الانتشار الكاسح لفيروس إبشتاين-بار، فإن قلة من الأشخاص تعاني من مرض الذئبة. وتوضح الدراسة أن ثلاثة عوامل رئيسية تتحكم في ذلك:
- المحاكاة الجزيئية: بعض بروتينات الفيروس تشبه بروتينات بشرية معينة، فيلتبس الأمر على المناعة وتبدأ مهاجمة خلايا الجسم بالخطأ.
- العوامل الهرمونية والوراثية: إصابة النساء تفوق الرجال بتسع مرات، ما يشير إلى دور محوري للهرمونات الأنثوية –ولا سيما الإستروجين– في تهيئة البيئة المناسبة لتفاعل الفيروس مع جهاز المناعة.
- اختلاف سلالات الفيروس: يعتقد العلماء أن أنواعًا محددة فقط من الفيروس تملك القدرة على تفعيل “المفتاح” الجيني المسؤول عن الالتهاب المزمن.
آفاق علاجية جديدة
يعتبر الباحثون هذا الاكتشاف نقلة نوعية في فهم أمراض المناعة الذاتية، إذ يقول الدكتور روبنسون إن الآلية المكتشفة قد تفسّر “جميع حالات الذئبة تقريبًا”. ولا تقتصر أهمية النتائج على هذا المرض وحده، فقد تبين أن فيروس إبشتاين-بار يرتبط أيضًا باضطرابات مناعية أخرى مثل التصلّب المتعدد.
من الناحية العلاجية، تفتح هذه النتائج الباب أمام أساليب طبية أكثر دقة، تركّز على تعطيل نشاط الفيروس أو إيقاف تشغيل المفتاح الجيني، بدلاً من الاعتماد على أدوية تثبط الجهاز المناعي بالكامل وتضعف مقاومة الجسم للعدوى.
رسالة توعوية
تكشف هذه المعطيات أن أمراضًا كانت تُعد لغزًا قد تجد تفسيرها في كائنات مجهرية مألوفة. غير أن الإدراك العلمي لا يلغي أهمية الوقاية من العدوى في اثناء فترات ضعف المناعة، والمتابعة الطبية الدورية لمن يعانون عوارض غامضة أو تاريخًا عائليًا مع أمراض المناعة الذاتية. فكل خطوة نحو الفهم الدقيق تمهّد الطريق لعلاج أكثر إنسانية وأمانًا في المستقبل.










