وطن-في عصرٍ تتحكم فيه أزرار “الإعجاب” و”المتابعة” في الإحساس بالقيمة الذاتية، بات من السهل أن تُخفى الحاجة العميقة إلى القبول خلف ستار البحث عن التقدير الاجتماعي أو الخجل الطبيعي. غير أن الارتباط المفرط برأي الآخرين لا يعكس مجرد ضعفٍ في الثقة بالنفس، بل يدل على جرحٍ عاطفي قديم ما زال يوجّه اختيارات الإنسان ويشكّل علاقاته حتى في مرحلة البلوغ.
الجذر الخفي للحاجة إلى الإعجاب
يرى علماء النفس أن الرغبة القهرية في إرضاء الآخرين ليست سلوكًا عابرًا، بل هي آلية دفاع متوارثة عن الطفولة. فخلف هذا القلق المتكرر يكمن صوت داخلي لطفلٍ تعلّم منذ سنواته الأولى أن “أن يكون نفسه” لا يكفي ليُحَب.
ينشأ هذا النمط غالبًا في بيوتٍ كان فيها الحب مشروطًا: حبّ لا يُمنح تلقائيًا، بل يُكتسب بالطاعة أو التفوق الدراسي أو التصرف “المثالي”. هنا يتكون ما يُعرف بـ”الطفل غير المرئي” الذي لا يسمع العالم صوته إلّا عندما يؤدي أدوارًا ترضي الكبار، أو “الطفل الكأس” الذي يُقوَّم بحسب إنجازاته لا بحسب مشاعره ووجوده الإنساني.
في مثل هذه البيئات، يتعلم الطفل أن يخفي نفسه الحقيقية وأن يتقمّص شخصية ترضي والديه أو معلميه، حتى وإن تعارضت مع رغباته الداخلية. ومع مرور الزمن، يكبر هذا الطفل ليصبح بالغًا يتقن قراءة الآخرين لكنه يجهل ذاته.
حين تصبح الموافقة وسيلة بقاء
من منظور علم الأعصاب، يُعدّ الرفض بالنسبة للطفل تهديدًا وجوديًا؛ فالعقل الطفولي يفسّره على أنه خطر بالهجر، والهجر ـ في الطبيعة ـ يعني الموت. لذا، حين تنتقل هذه التجربة غير المحسومة إلى مرحلة البلوغ، يبقى الجسد والعقل في حالة “يقظة دفاعية” دائمة. فيسعى الإنسان البالغ للحصول على رضا مديره أو شريكه أو حتى الغرباء في الفضاء الإلكتروني كأنها استراتيجية لا شعورية لضمان البقاء ضمن الجماعة.
هذا البحث المستمر عن الأمان يُنهك الجهاز العصبي ويُبقي صاحبه في توتر دائم، يراقب ملامح الآخرين ويحلل تعابيرهم بدافعٍ غريزي من الخوف من الرفض.
وجوه الخضوع للقبول
في الحقيقة، تعبر هذه الجروح العاطفية عن نفسها في مظاهر حياتية دقيقة كثيرًا ما تمرّ دون وعي. بعضهم يجد صعوبة في قول كلمة “لا” ولو على حساب راحته، خوفًا من خيبة الآخرين. وآخرون يمضون وقتًا طويلًا في تحليل نبرة صوت شخصٍ ما أو تقاسيم وجهه بحثًا عن مؤشرات رضا أو استياء.
وهناك من يتحول إلى شخصية اجتماعية يبدل آراءه واهتماماته تبعًا لمن يجلس أمامه، فقط ليشعر بالانتماء. أما أكثر المشاعر قسوة، فهي إحساس “المحتال”؛ ذاك الذي رغم مديح الناس له، يظن أنه خدعهم وأنهم سيكتشفون “حقيقته” عاجلًا أو آجلًا.
ثمن العيش وفق نظرة الآخرين
الاختناق العاطفي الناتج عن هذا النمط لا يقلّ قسوة عن أي ألمٍ نفسي آخر. فالإنسان الذي يوجّه كل طاقته لإرضاء العالم من حوله يفقد صلته بذاته شيئًا فشيئًا. يصبح خبيرًا في معرفة احتياجات الآخرين، لكنه غريبٌ عن رغباته الخاصة.
ينتج عن ذلك إنهاك مستمر وشعور داخلي بالفراغ، لأن سعادته تُصبح رهينة لتصرفات من لا يملك التحكم بهم. ومع استمرار الدائرة، تغدو القلق مزمنًا، والطمأنينة حلمًا بعيد المنال.
بداية التعافي: استعادة الحق في التقدير الذاتي
لا يعني الشفاء من هذا النمط أن نتجاهل آراء الآخرين-فالبشر كائنات اجتماعية بالفطرة-بل هو استعادة الحق في الحكم على الذات باستقلال. وتبدأ الرحلة بالاعتراف بأن الخوف من الرفض ليس وليد اللحظة، بل هو صدى لذاكرة قديمة وشعورٍ بالعجز الطفولي.
حين تراودك الحاجة الملحّة لنيل القبول، ذكّر نفسك بأنك صرت قادرًا اليوم على دعم ذاتك. تدرّب على قول “لا” في المواقف الصغيرة أولًا، لتدرك أن العالم لا ينهار حين تختار نفسك.
العودة إلى الذات
إن السعي وراء إرضاء الآخرين لا يمكن أن يساعدك على تحقيق أهدافك أو نيل القبول المنشود، واعلم أن اللحظة الفاصلة في التحرر تبدأ حين تدرك أنك لم تُخلق لتلبّي توقعات أحد، وأن قيمتك ليست مرهونة بإعجاب أو تصفيق.
اقرأ أيضاً










