وطن – تشهد العلاقات التعليمية بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة مرحلة من التوتر الصامت، بعدما قررت أبوظبي تقييد تمويل البعثات الدراسية الحكومية إلى الجامعات البريطانية، في خطوة تعكس قلقها المتزايد من تأثيرات فكرية توصف بأنها “متشددة” داخل بعض الحرم الجامعي هناك، وفق ما تشير إليه تقارير دولية.
وتمثل هذه الإجراءات تحولًا لافتًا في سياسة الابتعاث الإماراتية التي لطالما اعتبرت بريطانيا وجهة مفضلة لطلابها الجامعيين.
القرار الأخير استبعد مؤسسات التعليم العالي البريطانية من قائمة الجامعات العالمية المعترف بها والمؤهلة للحصول على المنح الحكومية، والتي تضم جامعات في الولايات المتحدة وأستراليا وفرنسا وإسرائيل.
وكانت وزارة التعليم الإماراتية قد أعلنت منتصف العام الماضي قائمة الجامعات المعتمدة التي يُعترف بشهاداتها رسميًا، مؤكدة أن الهدف من الإصلاحات هو توجيه الدعم نحو مؤسسات “من الطراز العالمي”. لكن غياب الجامعات البريطانية عن تلك القائمة أثار تساؤلات حول خلفيات سياسية وأمنية أعمق.
وأوضحت مصادر قريبة من الملف أن الخطوة جاءت بناءً على مخاوف ترتبط بانتشار أفكار الإسلام السياسي في بعض الجامعات البريطانية، واحتمال تأثر الطلبة الإماراتيين بها. وهو ما عبّر عنه مصدر مطلع بالقول إن القرار “ليس مجرد سهو إداري، بل مقصود لتجنّب المخاطر الفكرية على الشباب الإماراتي”.
وتكشف البيانات الرسمية البريطانية أن العام الدراسي 2023-2024 شهد إحالة 70 طالبًا جامعيًا إلى برنامج “Prevent” الحكومي المعني بمكافحة التطرف، بسبب مؤشرات على تأثرهم بأفكار متشددة يوصف بعضها بأنه “إسلامي”. هذا العدد يقترب من ضعف الحالات المسجلة في العام الذي سبقه، بين نحو ثلاثة ملايين طالب في الجامعات البريطانية.
وتراجع التمويل الإماراتي للدارسين في المملكة المتحدة ترك أثره الواضح على أعداد المبتعثين. فقد حصل 213 طالبًا فقط على تأشيرات دراسة بريطانية خلال العام المنتهي في سبتمبر 2025، بانخفاض بلغت نسبته 27% عن العام السابق، و55% مقارنة بعام 2022.
وفي المقابل، أكدت السلطات الإماراتية أن الشهادات الصادرة عن مؤسسات تعليمية غير مدرجة في قائمتها المعتمدة لن يُعترف بها رسميًا داخل الدولة، ما يقلل من جدوى الدراسة في بريطانيا بالنسبة للمواطنين الإماراتيين.
وتأتي هذه التطورات في ظل خلافات سياسية متزايدة بين البلدين، أبرزها موقف لندن من جماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها الإمارات تنظيمًا إرهابيًا. أبوظبي طالبت طوال السنوات الماضية بحظر الجماعة في المملكة المتحدة، لكن مراجعة حكومية بريطانية عام 2015 خلصت إلى عدم وجود صلة بين الجماعة وأعمال إرهابية داخل الأراضي البريطانية، فيما اكتفت حكومة كير ستارمر مؤخرًا بالإشارة إلى أن الملف “قيد المراجعة المستمرة”.
كما تتقاطع قضية الابتعاث مع سلسلة من الملفات الحساسة بين الجانبين، منها الجدل حول استحواذ مستثمرين مدعومين من أبوظبي على صحيفة ديلي تلغراف، والاتهامات المتبادلة بشأن الدور الإماراتي في النزاع السوداني، إضافة إلى قضية قانونية تتعلق بنادي مانشستر سيتي المملوك لإماراتيين.
ورغم هذه الخلافات، تواصل الجامعات البريطانية تعزيز حضورها داخل الإمارات، حيث تدير مؤسسات مثل جامعة مانشستر وجامعة هيريوت-وَت فروعًا أكاديمية في دبي، في مؤشر على استمرار التعاون التعليمي من بوابة جديدة داخل المنطقة.
ومع تقليص البعثات إلى بريطانيا، يجد الطلبة الإماراتيون أنفسهم أمام خيارات دراسية تتجه أكثر نحو الولايات المتحدة وأستراليا وفرنسا، بما يعكس توجّهًا رسميًا لإعادة رسم خريطة الابتعاث بما يتوافق مع أولويات الدولة الأمنية والثقافية.
وفي نهاية المطاف، تبدو الخطوة الإماراتية رسالة مزدوجة: حرص على حماية طلبتها من التأثيرات الفكرية غير المرغوب فيها، وسعي إلى إعادة ضبط العلاقات مع شريك قديم ضمن إطار يعلي من اعتبارات الأمن والمصلحة الوطنية قبل أي شيء آخر.
اقرأ أيضاً:
ترامب يصنف فروع الإخوان كمنظمات إرهابية ويثير جدلاً إقليمياً
محمد بن زايد: متلازمة الإخوان كعقيدة أمنية في السياسة الإماراتية










