وطن – في قراءة لافتة للتحوّلات العميقة في المزاج العربي، قدّم الكاتب والباحث المصري مأمون فندي طرحًا يفسّر الانقلاب الواضح في موقف الرأي العام العربي تجاه السعودية، لا سيما في الملف اليمني، مقارنة بما كان عليه الحال خلال سنوات الحرب الأولى ضد الحوثيين.
من الإدانة إلى التفهّم… ما الذي تغيّر؟
يستهل فندي تحليله بالإشارة إلى الفارق الصارخ بين التعاطي الشعبي العربي مع التدخل السعودي في اليمن عام 2015- حيث سادت الانتقادات الحادة حتى 2022- وبين الموقف الراهن الذي بات، في حالات كثيرة، أقرب إلى التشجيع أو التفهّم للدور السعودي في مواجهة المجلس الانتقالي الجنوبي. هذا التحوّل، بحسب فندي، ليس عاطفيًا ولا عابرًا، بل نتاج مسارين متلازمين.
متغيّران حاسمَان
أول المتغيرين هو نضج الوعي السياسي العربي بعد عامين من حرب الإبادة في غزة، وما كشفته من اختلالات في منظومة القيم الدولية والإقليمية. أما الثاني، فهو تحوّل بنية الصراع الإقليمي نفسها: فالسعودية لم تعد تُرى كفاعل عسكري مباشر يتحمّل وحده الكلفة الأخلاقية والإنسانية، بل كقوة تحاول إدارة تعقيد إقليمي واسع يتجاوز اليمن إلى فلسطين والسودان والقرن الإفريقي.
مشروع تفكيك إقليمي… والبوابة الإبراهيمية
ويربط فندي بين حرب غزة، والاعتراف الإسرائيلي بما يُسمّى «دولة أرض الصومال»، ومحاولات إنتاج كيانات سياسية جديدة في السودان والبحر الأحمر، معتبرًا إياها حلقات في مشروع تفتيتي واحد يهدف إلى إعادة تشكيل المجال العربي إلى وحدات هشّة قابلة للإدماج في منظومة «التفاهمات الإبراهيمية». ويشير إلى أن تصريحات قادة محليين- من جنوب اليمن إلى أرض الصومال- عن الاستعداد للانضمام إلى تلك الاتفاقات، تمنح إسرائيل مكاسب استراتيجية من دون كلفة سياسية أو أخلاقية تُذكر.
السعودية… من «قوة حرب» إلى «قوة منع»
وفي هذا السياق، يُعاد تأويل الدور السعودي: فالتعامل مع المجلس الانتقالي الجنوبي لم يعد يُقرأ بوصفه تشجيعًا على الانفصال، بل محاولة لمنع الانزلاق نحو تفكيك شامل يخدم المشروع الإسرائيلي غير المباشر. السعودية- وفق فندي- لا تقدّم نفسها كقوة انتصار بقدر ما تتموضع كقوة سدّ ثغرات، تمنع تمرير خرائط جديدة للمنطقة.
رسائل متزامنة ومعنى سياسي جديد
يلفت فندي إلى التزامن الدلالي بين تصاعد التضامن العربي مع فلسطين- الذي حمل رعاية سعودية معنوية- وبين تحركات إسرائيلية في أرض الصومال. الرسالة هنا مزدوجة: رفض للتطبيع التفتيتي، وتموضع سعودي متقدّم بوصفه حارسًا للأمن القومي العربي في لحظة تراجع عربي عام. لذلك، لم يعد الشارع العربي يرى الرياض طرفًا في حرب، بل فاعلًا في مواجهة مشروع إقليمي أوسع.
خلاصة فندي
يخلص الكاتب إلى أن تغيّر الرأي العام العربي تجاه السعودية يستدعي قراءة جادّة، لأن الإنسان العربي العادي بات أكثر وعيًا بطبيعة المشروعات التي تستهدفه مباشرة—وأحيانًا أكثر وعيًا من بعض دعاة التطبيع من النخب. هذا الوعي الجديد هو ما أعاد رسم موقع السعودية في المخيال الشعبي: من موضع الاتهام إلى موقع التفهّم، وربما الدعم المشروط، في معركة تتجاوز اليمن إلى مستقبل الإقليم كله.
اقرأ أيضاً:










