وطن-في عالم يزداد تفاوتًا بين الثراء والفقر، يجد العمل الإنساني نفسه أمام تحديات متصاعدة، لا سيما بعد التراجع الملحوظ في الدعم الدولي الموجّه للدول الفقيرة. في هذا السياق، أطلق بيل غيتس، أحد أبرز الوجوه في مجال العمل الخيري العالمي، سلسلة تحذيرات حول الآثار المدمّرة لتقليص المساعدات التنموية، داعيًا إلى استعادة روح التضامن الإنساني قبل فوات الأوان.
انتكاسة في التقدّم الإنساني
يشير غيتس في رسالته السنوية الأخيرة إلى أنّ العام الماضي مثّل انتكاسة في مسيرة التقدّم الإنساني، بعدما ارتفعت لأول مرة منذ بداية القرن الحالي معدلات وفيات الأطفال دون سن الخامسة. فبعد مسيرة نجاح استمرّت 25 عامًا في خفض تلك الوفيات بوتيرة غير مسبوقة، عاد المنحنى إلى الارتفاع في عام 2025، إذ قفز العدد من 4.6 ملايين وفاة في 2024 إلى 4.8 ملايين في 2025. ويعزو غيتس هذا الارتفاع إلى تراجع الدعم المالي المقدم من الدول الغنية للدول ذات الدخل المحدود.
أرقام تنذر بالمستقبل
تقرير «حراس الأهداف» الصادر عن مؤسسة غيتس الشهر الماضي كشف عن تقديرات صادمة: إذا خُفِّضت المساعدات التنموية المخصّصة للصحة بنسبة 20% مقارنة بمستويات عام 2024، فقد تشهد العقود المقبلة وفاة إضافية تصل إلى 12.5 مليون طفل بحلول عام 2045. ويستند التقرير إلى نماذج بحثية أعدها “معهد مقاييس الصحة والتقييم” اعتمادًا على بيانات دولية شاملة.
انتقادات للسياسات التقشفية
لم يتردد غيتس في انتقاد النهج الحكومي الأميركي الذي اتّبع سياسة خفض الإنفاق الخارجي، ولا سيما تلك القرارات المنبثقة عن “وزارة كفاءة الحكومة” بقيادة إيلون ماسك. وحذّر من أن مثل هذه الإجراءات لا تمس الأرقام فقط، بل تمسّ حياة الملايين، محذّرًا من أن “خفض المساعدات قد يعني فعليًا فقدان أرواح أطفال لا ذنب لهم”. وقد طالب ماسك حينها بأدلّة على هذا الطرح، ما أثار جدلاً واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية.
تفاؤل مشروط بالمبادرة والعمل
ورغم قتامة الصورة، يؤكد غيتس تمسّكه بالأمل في قدرة العالم على استعادة مسار التقدّم. ويقول في رسالته: “ما زلت متفائلًا، لأنني أرى ما يمكن أن تحقّقه الابتكارات، ولا سيما تلك المعزّزة بالذكاء الاصطناعي”. لكنه يستدرك بأن هذا التفاؤل ليس مفتوح المدى، بل “له حدود زمنية واضحة”، موضحًا أن السنوات الخمس القادمة ستكون حاسمة في إعادة توجيه الجهود لابتكار أدوات إنقاذ جديدة وتوسيع نطاق استخدامها.
التزام تاريخي غير مسبوق
وفي خطوة وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ العمل الخيري الحديث، أعلن غيتس في عام 2025 أنه سيتبرّع بمعظم ثروته الشخصية — التي تقدّر بنحو 100 مليار دولار — لصالح مؤسسته، في إطار خطة تمتد لعشرين عامًا لإنفاق كامل الأموال المخصّصة. واستند هذا القرار إلى قناعة راسخة لدى غيتس بأن الثروة يجب أن تُستخدم لتغيير حياة الناس، لا أن تبقى مكدَّسة في حسابات الأثرياء.
ويعدّ هذا الإعلان امتدادًا لمبادرات سابقة أطلقها مع زوجته السابقة ميليندا غيتس ورجل الأعمال وارن بافيت في عام 2010، من خلال “تعهد العطاء”، الذي دعا كبار الأثرياء للتبرع بأغلب ثرواتهم للأعمال الإنسانية. وقد انضم إليهم لاحقًا عدد كبير من الشخصيات البارزة مثل ماكنزي سكوت والرئيس التنفيذي لشركة “إير بي إن بي” براين تشيسكي.
نداء إلى أثرياء العالم
وفي ظل اتساع الفجوة بين القلة الثريّة والغالبية المحرومة، دعا غيتس نظراءه من أصحاب الثروات الكبرى إلى تحمّل مسؤولياتهم. وقال في إحدى المراسلات: إن مبدأ «عامل الآخرين كما تحب أن يُعاملوك» لا يقتصر على علاقات الدول، بل يجب أن يشمل التزامات الأثرياء تجاه مجتمعاتهم والعالم بأسره. وأوضح أن تضاعف أعداد المليارديرات، وظهور من يُعرفون بـ«المائة ملياردير»، يفرض واقعيًا زيادة في حجم العطاء الخيري بما يتناسب مع اتساع هذه الثروات.
المال بين القلّة والاحتياج
وفي ذات السياق، أبرز تقرير منظمة أوكسفام الصادر في يناير 2025، جانبًا آخر من هذا التفاوت؛ فقد ارتفع عدد المليارديرات عالميًا في عام 2024 إلى 2769 شخصًا مقارنة بـ2565 في العام السابق، مع توقعات بأن يبلغ عدد أصحاب التريليونات خمسة أشخاص خلال العقد المقبل.
في نهاية المطاف، رؤية بيل غيتس ليست مجرد تحذير مالي أو سياسي، بل هي دعوة لإعادة تعريف معنى النجاح والثروة في عصر تتسارع فيه الأزمات. فالمعادلة واضحة كما يراها: لا يمكن لعالمٍ أن يتقدّم بينما يُترك الأطفال يموتون بسبب عجز مالي أو قصر نظر سياسي. وبين تحديات الواقع ورهانات الأمل، تبقى رسالته الأساسية أن إنقاذ الأرواح يبدأ بإحياء الحس الإنساني، قبل أي شيء آخر.
اقرأ أيضًا
الأسواق المالية تخضع لقانون عالمي موحد: دراسة يابانية تكشف أساساً مشتركاً وراء حركة الأسعار










