وطن-في زمن يتداخل فيه العالم الواقعي بالافتراضي، أصبحت الشبكات الاجتماعية نافذة أساسية للتفاعل اليومي، سواء لأغراض العمل أو لمتابعة أخبار العائلة والأصدقاء. لكن سهولة الوصول إليها وما تتيحه من ترفيه وتواصل جعلت استخدامها المفرط عادة يصعب التخلّص منها، إلى حدّ أن بعض المستخدمين يقضون ساعات طويلة في تصفح المحتوى دون وعي بمخاطر ذلك على صحتهم النفسية والجسدية.
بين الصورة المثالية والواقع
يقدّم الفضاء الرقمي صورة لامعة عن حياة الآخرين: وجوه خالية من العيوب، وسفر فاخر، ومناسبات منظمة بدقة. غير أنّ هذا الوهج لا يعكس الحقيقة كاملة، إذ تخضع الصور لمؤثرات وفلاتر متعددة تجعلها أبعد ما تكون عن الواقع. المقارنة المستمرة بهذه الصور قد تُضعف الثقة بالنفس وتُشعر المستخدم بأنه أقل حظاً أو جمالاً.
وينبه الخبراء إلى أنّ تذكير النفس بأن ما يُعرض على المنصات ليس الحياة الحقيقية خطوة أساسية للحفاظ على التوازن النفسي، وينصحون بالتوقف عن التصفح متى ما شعر الشخص بتراجع تقديره لذاته أو بتأثر حالته المزاجية.
اضطراب النوم… أثر خفي لا يُستهان به
يُعد تصفح الصفحات قبل النوم عادة شائعة، لكنها تتحول إلى مشكلة حين تؤثر في جودة النوم أو توقيته. ويُشير المختصون إلى أن صعوبة التوقف عن استخدام الهاتف قبل الخلود إلى النوم، أو الاستيقاظ ليلاً لمواصلة التصفح، علامات واضحة على علاقة غير صحية بالتقنية.
وتوصي جمعية النوم الوطنية بإبعاد الأجهزة الإلكترونية قبل موعد النوم بنصف ساعة على الأقل، فالإضاءة الزرقاء الصادرة عنها تُشبه ضوء الشمس وتخدع الدماغ ليظن أن الوقت ما زال مبكرًا، مما يؤدي إلى تأخر النوم واضطرابه. وفي مقابل الشاشة، ينصح باللجوء إلى كتاب هادئ يساعد على الاسترخاء.
التمرير اللانهائي… الإدمان الخفي
من بين أبرز المؤشرات على الاستخدام المفرط للمنصات الاجتماعية العجز عن التوقف عن التمرير، أو ما يُعرف بـ”الإسكروول” المستمر. فرغم محاولات الانشغال بأمور أخرى، يجد المستخدم نفسه يعود إلى الهاتف بشكل تلقائي.
ويُظهر سلوك كهذا بداية تشكّل عادة قهرية، خصوصاً حين يملك الفرد أكثر من حسابين أو ثلاثة على مختلف الشبكات ويمرّ بينها بشكل متكرر. هذه الحالة تحدّ من التركيز والانتباه، وتؤدي إلى تآكل الوقت الشخصي وابتعاد المستخدم عن محيطه الواقعي.حين تحل الشاشة محل اللقاء الإنساني
مع انحسار فترات العزلة بعد جائحة «كوفيد-19»، باتت العودة للتواصل الحقيقي حاجة أساسية للصحة النفسية. لكن بعض الأشخاص ما زالوا يفضّلون تفاعلهم عبر الشاشة على اللقاء المباشر.
ويشير المختصون إلى أن قضاء وقت أطول في تصفح المنصات على حساب اللقاءات الاجتماعية وجهاً لوجه يفقد الإنسان أحد أهم عناصر التوازن النفسي. فمهما كانت الشبكات ممتعة، فإنها لا تعوّض دفء العلاقة الإنسانية المباشرة. ويُنصح كل مستخدم بأن يراجع نفسه إذا لاحظ أن تفاعله مع الأصدقاء يقتصر على التعليقات والإعجابات فقط دون أي تواصل واقعي.
العلاقات الشخصية في دائرة الخطر
قد تمتد آثار الاستخدام المفرط للشبكات إلى العلاقات الأسرية والعاطفية. حين يشعر الشريك أو أحد أفراد العائلة بأن وجوده أصبح ثانوياً أمام الهاتف، فهذه إشارة إلى اختلال في الأولويات.
ويحذر الأخصائيون من أن انشغال الفرد بمنشورات الآخرين وصورهم، على حساب تواصله مع المقربين منه، قد يؤدي إلى تباعد عاطفي وصراعات داخل العلاقات الأسرية. فالمحتوى الذي يُعرض على المنصات، مهما بدا مشوّقاً، لا يمكن أن يضاهي واقعية اللحظات التي نعيشها مع أحبائنا وجهاً لوجه.
استعادة التوازن
إن إدراك الحدود الفاصلة بين الاستخدام المفيد والاعتماد المفرط على الشبكات الاجتماعية هو الخطوة الأولى نحو حياة رقمية أكثر وعيًا. فالتكنولوجيا وسيلة تواصل لا يجب أن تتحول إلى بديل عن التفاعل الإنساني أو مصدر قلق مستمر.
وأبسط قاعدة للحفاظ على هذا التوازن أن نتذكّر دائماً: ما يحدث على الشاشة ليس سوى جزء صغير من الحياة، أما الجزء الأجمل فيبدأ حين نرفع أعيننا عنها.
اقرأ أيضًا
في زمن “الإعجاب” الرقمي… حين تتحول الحاجة إلى القبول إلى قيدٍ غير مرئي










