وطن-منذ ملايين السنين قبل أن تظهر المخلوقات ذات الأدمغة المعقدة، كانت كائنات بحرية دقيقة تمارس ما يشبه النوم، في سلوك يعيد رسم فهم العلماء لأصل هذه الوظيفة الحيوية. دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature Communications اعتمدت على مراقبة نوعين من الكائنات اللافقارية القديمة – قنديل البحر Cassiopea andromeda وشقائق النعمان البحرية Nematostella vectensis – لتكشف أن النوم قد يكون سلوكًا ضاربًا في القدم، يعود إلى أكثر من مليار عام، وأنه يرتبط بإصلاح الخلايا العصبية من التلف الجيني.
كائنات بلا دماغ… لكنّها تنام
رغم غياب الدماغ بالمعنى المعروف، تمتلك هذه الأنواع شبكات عصبية بدائية تمتد في أنحاء أجسامها، تُعرف بالشبكات العصبية المبعثرة. ورغم بساطتها، رصد الباحثون فيها سلوكيات تنطبق على التعريف العلمي للنوم: فترات طويلة من السكون، ضعف الاستجابة للمؤثرات، ثم تعويض فترات الغياب بالنوم لاحقًا.
في تجربة استمرت أيامًا، استخدم العلماء كاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء وأنظمة ضوئية دقيقة لمراقبة نشاط القنديل خلال الليل والنهار. وتبيّن أن Cassiopea تقلل من حركاتها النابضة ليلًا، وتأخذ «غفوة» قصيرة في منتصف النهار، بينما فضّلت Nematostella الراحة خلال ساعات النهار بسبب نشاطها الليليّ بطبيعتها. ورغم اختلاف أنماطهما، فقد اتضح أن كلًّا منهما ينام نحو ثلث اليوم، وهي مدة قريبة من دورة النوم لدى الإنسان.
كيف يقاس النوم في كائنات بلا دماغ؟
بما أنه لا يمكن قياس نوم اللافقاريات بأجهزة تخطيط الدماغ، اعتمد الباحثون معايير سلوكية دقيقة. فالنوم لدى قنديل Cassiopea عُرِّف بأنه فترة من ثلاث دقائق على الأقل تقل فيها نبضات الجسم عن 37 نبضة في الدقيقة، وهي الحالة التي يصبح القنديل فيها بطيء الاستجابة للضوء. أما في شقائق النعمان، فقد لوحظ أن ثماني دقائق من الثبات التام كافية لإظهار تباطؤ واضح في تفاعلها مع الضوء أو الطعام، ما يشير إلى حالة نوم مشابهة. هذه القياسات تم التحقق منها ميدانيًا أيضًا، بما يؤكد أنّ النوم في هذه الكائنات ليس سلوكًا طارئًا، بل نمطًا حيويًا أصيلًا.
الضوء، الساعات الداخلية، وضغط النوم
تبيّن أن دورة النوم لدى Cassiopea تتأثر أساسًا بتعاقب الضوء والظلام، إلى جانب ما يُعرف بـ «الضغط الداخلي للنوم» الذي يدفع الكائن إلى التعويض عند فقدان الراحة الليلية. أما Nematostella، فاعتمدت على مزيج من الضوء وساعتها الحيوية الداخلية. عند تعطيل أحد جيناتها التنظيمية المعروفة باسم NvClk، اضطرب نظام نومها بصورة واضحة، ما أظهر أن للساعات البيولوجية دورًا فعالًا حتى في أبسط الكائنات.
كذلك، لوحظ أن هرمون الميلاتونين – المعروف بدوره في تنظيم نوم الإنسان – يؤدي الوظيفة نفسها في هذه الكائنات، إذ أطال فترات النوم عند حقنه خلالها في ساعات اليقظة. هذه النتيجة تفتح بابًا جديدًا لفهم كيف احتُفظ بآلية الميلاتونين عبر مليارات السنين التطورية.
النوم كدرع لحماية الموروث الجيني
من أكثر جوانب الدراسة إثارة ما توصّل إليه الباحثون بشأن العلاقة بين النوم وإصلاح الحمض النووي. باستخدام مؤشر جزيئي يُعرف باسم γH2AX، اكتشف الفريق أن الخلايا العصبية في هذين النوعين تعاني تلفًا أكبر في الحمض النووي بعد فترات طويلة من الاستيقاظ، وأن هذا الضرر ينخفض بعد فترات النوم. بل إن حرمانهما من النوم ضاعف من الضرر، بينما عاد مستوى الخلايا إلى وضعه الطبيعي بعد تعويض فترة الراحة. هذه النتائج دفعت الباحثين إلى وصف النوم بأنه «آلية لصون استقرار الجينوم»، وهي وظيفة بيولوجية جوهرية سبق وجود الأدمغة نفسها.
استجابة للنُظم البيئية القاسية
ولم يتوقف الأمر عند تأثير الإجهاد الناتج عن اليقظة، إذ أثبتت الدراسة أن الظروف البيئية القاسية مثل التعرض للأشعة فوق البنفسجية أو لمركّبات مسببة للطفرات الجينية تدفع هذه الكائنات إلى النوم أكثر. فقد ازدادت فترات نومها عندما واجهت مستويات أعلى من التلف الخلوي، في سلوك بدائي يمكن اعتباره استجابة وقائية ضد الأضرار الجينية، لا مجرد حاجة جسدية للراحة.
هل بدأ النوم قبل ظهور الأدمغة؟
إجمالًا، تشير النتائج إلى أن النوم قد نشأ كآلية دفاع خلوية لحماية المادة الوراثية للخلايا العصبية من التلف، قبل أن يتحول إلى عملية عصبية معقدة لدى الفقاريات. هذا الطرح يتقاطع مع دراسات سابقة أُجريت على الأسماك والذباب والثدييات، لكنها المرة الأولى التي تُثبت فيها الفكرة في كائنات بلا دماغ.
دعوة للتأمل في أقدم لغز بيولوجي
إذا كان القنديل وشقيقته النعمان – وهما من أوائل الكائنات متعددة الخلايا على الأرض – يخلدان للنوم لحماية ذاكرتيهما الوراثية، فقد يكون النوم أقدم من أن يُعزى إلى التفكير أو الوعي. إنه، ببساطة، لغة الحياة . ومن هذا المنطلق، يبدو أن الحاجة إلى النوم ليست ترفًا بشريًا، بل ميراثًا بيولوجيًا عتيقًا لا تزال كل خلية فينا تحفظه حتى اليوم.
اقرأ المزيد
كردستان: اكتشاف ورشة متكاملة من العصر الحديدي يغيّر فهم التنظيم الحِرفي القديم
كنوز منسية في زوايا المنازل: مقتنيات قديمة بقيمة تفوق الخيال.. هل تملك أحدها؟










