وطن-في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتزاحم فيه الالتزامات، يبدو أن قلّة النوم باتت ضريبة يدفعها كثيرون دون أن يدركوا أثرها العميق على صحتهم النفسية والجسدية. فقد أظهرت دراسة حديثة شملت أكثر من ألفَي بالغ أن نحو ثلاثة أرباع المشاركين يشعرون بالنعاس خلال ساعات النهار بدرجات متفاوتة، ما يؤثر في قدرتهم على التركيز، وعلى حالتهم المزاجية والعقلية. وفي استطلاع آخر نُفذ عام 2020، قال فقط 16 في المئة من البالغين إنهم لا يشعرون بالنعاس خلال أيٍ من أيام الأسبوع، بينما أقرّ نحو نصفهم بأن التعب يلازمهم ما بين ثلاثة إلى سبعة أيام أسبوعيًا.
في هذا السياق، يقول الدكتور إيريك أولسون، أستاذ الطب في كلية “مايو كلينك أليكس” للطب: «النعاس النهاري مشكلة شائعة قد تضر الأداء والمزاج ونوعية الحياة». إلا أن الخبراء يؤكدون أن استعادة النشاط لا تتطلب مجهودًا بدنيًا قاسيًا ولا ساعات طويلة في صالة الألعاب، بل يمكن أن تبدأ بثلاث خطوات بسيطة تغيّر مجرى اليوم.
1. وجبة الفطور… أساس بداية كل يوم
لا يعتبر الفطور الصباحي مجرد عادة يومية، بل خطوة أساسية لتزويد الجسم بالطاقة بعد ساعات النوم الطويلة. وتشرح اختصاصية التغذية في “كليفلاند كلينك” بيث تشيروني الأمر بمثال بسيط قائلة: «هل يمكن البدء برحلة طويلة وسيارة خزانها فارغ؟ الجسم يعمل بالطريقة نفسها؛ لا يمكن أن ينطلق بنشاط من دون تغذية كافية».
ويشير خبراء التغذية إلى أن ما نأكله صباحًا مهم بقدر توقيت تناولنا له، وأن الوجبات الغنية بالبروتين هي الأفضل لمدّ الجسم بطاقة متوازنة تدوم أطول. فالبروتين، بخلاف الكربوهيدرات البسيطة، يمنع تذبذب مستويات السكر في الدم التي تؤدي إلى الشعور بالخمول لاحقًا خلال النهار.
ولا يعني ذلك الاعتماد على الأطعمة الدهنية مثل النقانق أو اللحم المقدد، إذ يمكن الحصول على البروتين من مصادر صحية، مثل الزبادي اليوناني الذي يحتوي على 15 إلى 20 غرامًا من البروتين في الحصة (نحو 170 غرامًا)، كما يمكن إضافة ملعقة من زبدة المكسرات لزيادة سبعة غرامات أخرى. ويُوصي خبراء جمعية القلب الأميركية بأن يحصل البالغ يوميًا على ما يعادل 0.8 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم.
2. الماء… شرط استمرار الطاقة
على الرغم من أن الماء لا يزوّد الجسم بطاقة مباشرة، فإن نقصه يكفي ليشعر الإنسان بالتعب والضعف. فبحسب “مايو كلينك”، تعتمد جميع أجهزة الجسم تقريبًا على الماء في أداء وظائفها، إذ يساعد في نقل العناصر الغذائية داخل الخلايا وتنشيط العمليات الحيوية. وتوضح أخصائية التغذية لايسي بوتاك أن غياب الترطيب الكافي «يوقف حركة الإشارات الكهربائية في الجسم، ويحدّ من انتقال المغذيات وبالتالي من إنتاج الطاقة».
ويفقد الإنسان الماء باستمرار عبر العرق والتنفس والتبول، ما يجعل تعويضه ضرورة للحفاظ على النشاط. وتنصح “كلية الطب بجامعة هارفارد” بشرب كميات كافية من السوائل والمياه الموجودة في الفواكه والخضروات وبعض الأطعمة مثل الحساء. وفي المناخات المعتدلة، يُفضل أن يتناول الرجال نحو 15 كوبًا ونصف الكوب من السوائل يوميًا، والنساء قرابة 11 كوبًا ونصفًا، علمًا أن أجسام الرجال تحتوي عادةً على كتلة عضلية أكبر، ما يجعلها تحتفظ بكمية أكبر من الماء مقارنةً بالأنسجة الدهنية.
3. ضوء الشمس… منبّه طبيعي للجسم
تُظهر الأبحاث أن الأشخاص الذين لا يتعرضون لضوء النهار في الصباح هم الأكثر معاناة من التعب. فالتعرّض لأشعة الشمس خلال الساعة الأولى بعد الاستيقاظ يعمل كمنبه بيولوجي يُرسل إلى الدماغ إشارة لبدء النشاط. وتشرح الممرضة المتخصصة ألكسندرا ليسِم من مجموعة “بانر هيلث” أن «ضوء الشمس يشغّل سلسلة العمليات الكيميائية والتمثيلية التي تنظّم طاقة الجسم ومزاجه».
ولا يقتصر الأمر على زيادة اليقظة الصباحية؛ فالتعرض للشمس في الصباح ــ ولو بالمشي القصير في الهواء الطلق ــ يساعد لاحقًا على النوم بسهولة أكبر ليلًا، ويعزّز إنتاج فيتامين (د) الذي يدعم العظام ويسهم في تحسين الحالة النفسية.
في نهاية المطاف، يعتبر الإحساس المستمر بالتعب ليس قدرًا حتميًا، بل نتيجة لعادات يمكن تعديلها ببساطة. فالبدء بفطور صحي متوازن، وكوب ماء إضافي، والتعرض للحظات بسيطة لأشعة الشمس، يعدّ أمر كافي لتغيير مسار اليوم، وربما نوعية الحياة بأكملها. فالحفاظ على إيقاع صحي وطاقة مستدامة يبدأ بخطوات صغيرة، لكنها قد تصنع فرقًا كبيرًا.
اقرأ المزيد
عادة غذائية بسيطة قد تغيّر إحساسك بالطاقة في عام 2026
ابدأ صباحك دون معاناة: دليلك إلى فطور مريح لمتلازمة القولون العصبي










