وطن-في تفاصيل حياتنا اليومية، يبدو المشي حركة بسيطة لا تحتاج إلى تأمل، لكنه في الحقيقة لغة جسدية خفية تعبّر عن الحالة النفسية والجسدية لكل فرد. فإيقاع الخطوات ليس مجرد حركة آلية، بل مؤشر دقيق يمكن أن يعكس سمات الشخصية، أو الحالة المزاجية، أو حتى مستوى اللياقة والصحة العامة.
إيقاع الخطوات… مرآة للشخصية
تشير دراسات حديثة في علم النفس والسلوك الإنساني إلى أن سرعة المشي ترتبط بعوامل شخصية وعاطفية متعددة. بعض الأبحاث –منها ما نُشر في دورية GeroScience– توصلت إلى أن الأشخاص الأكثر ميلاً للانطواء أو القلق غالباً ما يسيرون بوتيرة أبطأ من غيرهم، إذ تستهلكهم الأفكار والهموم فيحدّ ذلك من حيويتهم الجسدية.
وفي المقابل، تميل الشخصيات المنفتحة والنشيطة والمنظمة إلى المشي بسرعة أكبر، كما توضح دراسة في The Journals of Gerontology: Series B، والتي ربطت بين الانضباط الذاتي وسرعة الحركة. فالأشخاص الذين يسيرون بخطى واثقة وسريعة غالباً ما يتمتعون بالنشاط البدني والذهني، ويُظهرون طاقة إيجابية تدفعهم للاستمرار في وتيرة مستقرة حتى مع التقدم في العمر.
المشي البطيء كصدى للمشاعر
من زاوية أخرى، يرى علماء النفس أن بطء الخطى قد يكون انعكاساً لحالة وجدانية داخلية. فالحزن أو الإرهاق العاطفي قد يدفعان الإنسان إلى التباطؤ في حركته بشكل لا واعٍ، تعبيراً عن ثقل المشاعر التي يحملها. وفي مستويات أكثر حدة، قد يكون هذا البطء أحد المظاهر الملازمة للاكتئاب.
لكن الصورة ليست سلبية دائماً. فالمشي البطيء يمكن أن يتحول أيضاً إلى تجربة تأملية. بعض المدارس العلاجية والفنية توظف هذا الإيقاع الهادئ كوسيلة للعودة إلى الذات والاتصال بالحاضر، حيث يصبح الإبطاء في الخطى فرصة للهدوء وإعادة التوازن الداخلي.
مؤشرات صحية خلف الخطوات البطيئة
في المراحل المتقدمة من العمر، غالباً ما يرتبط المشي البطيء بمؤشرات فيزيولوجية مثل ضعف الكتلة العضلية وتباطؤ عمل الجهاز العصبي. وتعد هذه التغيرات من الأسباب التي تؤدي إلى انخفاض جودة الحياة، وفقدان بعض الاستقلالية، وزيادة احتمالية السقوط. كما أن الخوف من فقدان التوازن أو الشعور بالعزلة الاجتماعية يمكن أن يزيد من بطء الحركة لدى كبار السن، إذ يتأثر الإيقاع الجسدي بالحالة النفسية.
أما لدى الفئات الشابة، فتباطؤ الخطوات قد يكون انعكاساً للإرهاق الذهني أو الضغط المعرفي الناتج عن الاستغراق في التفكير أو الإجهاد اليومي. إلا أن الخبراء يؤكدون أن هذا العامل لا يُعدّ تشخيصاً طبياً بحد ذاته، بل مؤشراً يمكن ملاحظته ضمن مجموعة من الإشارات الأخرى.
قراءة إنسانية في إيقاع المشي
ليس بطء المشي بالضرورة دليلاً على الكسل أو الضعف كما يُعتقد أحياناً. فهو قد يعبر عن السكينة والتأمل، كما يمكن أن يكون علامة على الإرهاق أو تقلب المزاج. لذلك، يُنصح بعدم التسرع في الحكم على الآخرين من خلال طريقتهم في السير، بل محاولة فهم ما قد يمرّون به من ظروف نفسية أو جسدية.
إنّ الإصغاء إلى “لغة الجسد” التي تتمثل من خلال خطواتنا يمنحنا فهماً أعمق لذواتنا ولمن حولنا. فكل خطوة، سواء أسرعت أو تباطأت فيها، تروي حكاية صغيرة عن حالتنا النفسية الداخلية، وتذكّرنا أن الوعي بالجسد جزء من رعاية الذات وصحتها.
اقرأ المزيد
العلم يرسم خريطة خفية لجسد الإنسان: مشروع عالمي لرصد كل خلية حية










