وطن-في زمن يزداد فيه القلق وضغط الإنجاز، يجد كثيرون أنفسهم عالقين في دوامة من التفكير المفرط، يعيدون فيها تكرار السيناريوهات الأسوأ لكل موقف، حتى تغدو عقولهم كشبكة معقدة من الخوف واللوم الذاتي.
ورغم أن هذه الدوامة قد تبدو خارجة عن السيطرة، فإن الخبراء يؤكدون أننا لسنا أسرى لأفكارنا، وأن بالإمكان إعادة توجيه هذا النمط الذهني بوعي وتدريب مستمر.
وعيٌ قبل التغيير
تبدأ الخطوة الأولى نحو أي تحول نفسي بالانتباه. إدراكنا لوجود النمط السلبي هو المدخل لكسره. ينصح المتخصصون بملاحظة اللحظة التي تنشأ فيها الحلقة المفرغة من التفكير، وتسجيل ما يثيرها في مذكرة أو على الهاتف لملاحظة تكرار المواقف والعوامل المشتركة. هذا التتبع يساعد على رؤية الصورة كاملة بدل الغرق في تفاصيلها.
التنفس… أداة بسيطة ومؤثرة
حين ندرك أننا ندور في حلقة التفكير المجهد، يمكننا إيقافها مؤقتًا من خلال التنفس المتأني. خذ شهيقًا عميقًا من الأنف وزفيرًا بطيئًا من الفم، مع تخيل خروج التوتر والأفكار المزدحمة مع كل زفير. هذه الدقائق الصغيرة تخلق مساحة من الصفاء بين القلق والواقع، وتعيد للجسد والعقل توازنهما الطبيعي.
مواجهة الخيال الكارثي
التفكير الكارثي – أي توقّع أسوأ الاحتمالات على الدوام – هو في جوهره محاولة من العقل لحمايتنا من المجهول. لكنه كثيرًا ما يتحول إلى عقبة تعيق التقدم. فعقولنا تميل للمبالغة، وتضخيم المخاطر، وتضييق مساحة الشجاعة والتجربة.
هذه إحدى الحالات توضح ذلك جليًا: سيدة تجاوزت الستين من عمرها وتمارس الفروسية بإتقان، لكنها وجدت نفسها مؤخرًا تستسلم لتخيلات مخيفة كلما أرادت ركوب حصانها؛ تتخيل أنه سينفلت بها، وأنها ستسقط وتُصاب إصابة خطيرة.
ورغم أن هذه المخاوف ممكنة من حيث المبدأ، إلا أن الواقع يبرهن على عكسها: فهي فارسة متمرسة، تمتلك حصانًا مدرّبًا، وتستخدم وسائل الحماية اللازمة. الخطر الحقيقي ليس في السقوط، بل في سماحها لعقلها بأن يسلبها متعة ما تحب.
خطوتان في كل مرة
في الحقيقة، لا يمكن التحرر من هذه القيود دفعة واحدة؛ فالتطور الذهني يحتاج إلى صبر وممارسة. يوصي الخبراء بتقسيم الهدف الكبير إلى خطوات صغيرة قابلة للتحقق. وفي حالة الفارسة، بدأت بالتجول البسيط حول الساحة برفقة صديقة، متذكرة في كل مرة قدرتها وكفاءتها.
وخلال هذه الرحلة، من الضروري أن تُظهر لنفسك بعض التعاطف، وهو ما يفتقده الكثيرون ممن اعتادوا على الكمال الدائم ومحاسبة الذات بلا رحمة.
احتفِ بالتقدّم ولو كان بسيطًا
لا يقاس الشفاء بعد أي علاج نفسي بالمدة الزمنية، بل بالاستمرارية. تسجيل التقدم اليومي – مهما بدا ضئيلاً – يدعم الإصرار ويغذي الثقة بالذات. فكل لبنة صغيرة تُضاف اليوم، تصنع شخصًا أكثر توازنًا وهدوءًا في المستقبل.
لا تمضِ وحدك
وأخيرًا، وجود شبكة دعم من أشخاص إيجابيين – سواء من العائلة أو الأصدقاء أو مدرّب نفسي – يُعد عاملاً جوهريًا لمواجهة العوائق الداخلية. مشاركة المخاوف مع من تثق بهم تفتح الباب أمام فهم أعمق ومساندة صادقة.
رسالة ختامية
التحرر من التفكير السلبي لا يعني محو الخوف أو إنكار القلق، بل تعلم كيفية التعامل معه بلطف ووعي. فالعقل، مهما اشتدت عقده، يبقى قابلاً لإعادة التشكيل حين نختار أن نصغي لأنفسنا بصدق، ونمنحها فرصة ثانية للسلام.
قد يعجبك
الذكاء الاصطناعي كرفيق عاطفي… ظاهرة تتسع بين المراهقين
عبارة واحدة يخفي بها المراهق صرخته طلبًا للمساعدة
في زمن “الإعجاب” الرقمي… حين تتحول الحاجة إلى القبول إلى قيدٍ غير مرئي










