وطن-في زمنٍ يميل كثيرون فيه إلى ربط الرياضة بمرحلة الشباب، يبرز اسم الأميركي بوب هايز كقصة ملهمة تُعيد تعريف مفهوم العمر والنشاط. فقد بدأ الرجل الركض وهو في الحادية والستين من عمره، واستمر في المشاركة في عشرات السباقات سنويًا، ولم يتوقف إلا برحيله عام 2018 عن عمر ناهز 91 عامًا. تجربته لم تكن مجرد شغف بالرياضة، بل برهان حيّ على أن السن لا يمكن أن تكون عائقًا أمام الجسد إذا ما استُخدمت بحكمة.
لكن، وعلى الرغم من انتشار قصص مماثلة، ما زال الجدل قائمًا حول تأثير الركض في مراحل العمر المتقدمة، خصوصًا بعد الأربعين، وما إذا كانت هذه الممارسة تشكل خطرًا على المفاصل أو القلب. غير أن دراسات حديثة تشير إلى أن الحقيقة أكثر توازنًا وتعقيدًا مما يتصوره كثيرون.
مفاصل تتحمل أكثر مما نعتقد
يُنظر عادةً إلى الركض بوصفه نشاطًا ذا تأثير قوي على الجسم، إذ يتوجب على المفاصل امتصاص صدمة تعادل ضعفي أو ثلاثة أضعاف وزن الجسم مع كل خطوة. وقد يظن البعض أن ذلك كفيل بإتلاف الركبتين، لكن العلم يقدم صورة مغايرة: فالغضروف، وهو النسيج الذي يحمي العظام، يتمتع بمرونة عالية وقدرة على التجدد بعد الجهد. وتشير الأبحاث إلى أن الركض لا يضعف الغضروف بل قد يزيد من سماكته ويقوّي البنية العظمية، مما يسهم في الحد من خطر الإصابة بالتهاب المفاصل التنكسي (الخشونة) على المدى الطويل.
فوائد تمتد إلى القلب والدماغ
في عام 2020، راقب الباحثون مجموعة من البالغين فوق الخامسة والستين خضعوا لبرامج تدريب عالية الشدة، ووجدوا نتائج مشابهة لتلك التي يحققها الركض المنتظم. فقد لوحظ تحسن واضح في مؤشرات القلب والدورة الدموية، كما زادت الكتلة العضلية وقوة التوازن لديهم.
ولم تتوقف الفوائد عند الجانب الجسدي؛ فالركض، مثل غيره من الأنشطة الحركية، يُحفّز إفراز الهرمونات المسؤولة عن الشعور بالارتياح ويخفف من أعراض القلق والاكتئاب.
متى ينبغي التوقف؟
الخبراء يجمعون على أن العمر وحده لا يشكل سببًا كافيًا للتخلي عن الركض. إنما الأهم هو الإصغاء للجسد وملاحظة أي إشارات تحذيرية. فوجود أمراض مزمنة مثل خشونة المفاصل أو مشكلات القلب يتطلب استشارة طبية قبل الاستمرار. أما الآلام المستمرة أو الأعراض غير المعتادة، فتُعد ناقوس خطر لا يجوز تجاهله.
ورغم ارتفاع احتمال الإصابات مع تقدم السن، فإن الممارسة المعتدلة والمنظمة تساهم في تقليل المخاطر وتحسين التعافي.
البداية بعد الستين.. ممكنة وآمنة
يعاني كثير من كبار السن من رهبة العودة إلى الركض خشية الإصابات. غير أن السبب في معظم الإصابات ليس ممارسة الركض بحد ذاته، بل الإفراط في الجهد دون فترات راحة كافية.
لذلك، يُنصح المبتدئون بالانطلاق تدريجيًا، عبر حصص قصيرة تمتد من 20 إلى 30 دقيقة مرتين أو ثلاث أسبوعيًا، تزداد زمنًا وكثافة مع تحسن اللياقة. ويُعد الاهتمام بالتغذية الغنية بالكربوهيدرات والبروتينات وفيتامين “د” ضروريًا لدعم العضلات والعظام، إلى جانب اختيار حذاء يوفّر امتصاصًا مناسبًا للصدمات.
الركض يجدد البيولوجيا
نشرت مجلة British Journal of Sports Medicine في نوفمبر 2025 دراسة طويلة المدى، كشفت أن 75 دقيقة فقط من الركض أسبوعيًا—أي نحو عشر دقائق يوميًا—قادرة على “تجديد عمر الجسم البيولوجي بما يعادل 12 عامًا”. وأوضحت النتائج أن انتظام الممارسة أهم من سرعتها، إذ ترسل التمارين المنتظمة إشارات إيجابية لخلايا الجسم تبطئ من وتيرة الشيخوخة الطبيعية.
كما خلصت الدراسة إلى أن الركض يقلل خطر الوفاة المبكرة بنسبة تصل إلى 30%، بفضل تأثيره في صحة القلب والأوعية الدموية.
جسد يصغي.. وحياة تستمر
لا يشكّل العمر عائقًا عند ممارسة الرياضة فسواء بدأ الإنسان الركض في العشرين أو الستين، يظل الأمر على قدر من الأهمية في الحياة، إذ يمنح الجسد المرونة والعقل الصفاء. والأهم من ذلك هو الشعور بالاعتدال، والإنصات لحدود الجسد، وتحويل الحركة اليومية إلى روتين يذكّرنا بأن الشباب ليس فترة محددة نعيشها، بل طاقة نقرر أن نُبقيها فينا.
قد يعجبك










