وطن – في مشهد يعيد إلى الأذهان صور الحروب لا التظاهرات، يعيش القطاع الطبي في إيران واحدة من أكثر لحظاتِه قسوة منذ أعوام، إذ كشفت تقارير طبية من العاصمة طهران وفق صحيفة الغارديان البريطانية عن مئات الإصابات الخطيرة في العيون ناجمة عن طلقاتٍ نارية استهدفت المتظاهرين خلال الحملة الأمنية الأخيرة ضد الاحتجاجات التي تجتاح البلاد منذ أواخر ديسمبر/كانون الأول.
مشاهد من داخل غرف الطوارئ
ووثق أحد أطباء العيون في طهران أكثر من 400 إصابة في العين بالرصاص داخل مستشفى واحد فقط، فيما أكد أطباء آخرون أن المستشفيات باتت عاجزة عن استيعاب أعداد الجرحى المتزايدة، مع نقص حاد في الدم والمستلزمات الطبية. وصف أحدهم المشهد بقوله إنّ “المكان يشبه ساحة معركة، حيث يُعالج المصابون في الممرات أو حتى في العراء تحت البرد القارس”، مشيراً إلى أن بعض الأطباء أُصيبوا أثناء محاولتهم الوصول إلى المستشفيات.
وأضاف الطبيب أن قوات الأمن تدخل المستشفيات بين الحين والآخر لاعتقال الجرحى من المتظاهرين، فيما يعاني الكادر الطبي من الإرهاق الشديد والانهيار النفسي أمام ما يصفونه بمشاهد “تفوق قدرتهم على الاحتمال”.
استهداف متعمّد وممنهج
وأكد الأطباء والشهود أن معظم الإصابات تتركز في الرأس والوجه والعينين، وهي سِمة يقول ناشطون في مجال حقوق الإنسان إنها تكرارٌ لأساليب استخدمتها السلطات خلال احتجاجات عام 2022 التي اندلعت إثر وفاة الشابة مهسا أميني. وأوضح أحد الأطباء أنّ العديد من المصابين اضطروا إلى استئصال العين بالكامل، ما أدى إلى فقدان البصر الدائم لدى كثيرين.
وأشارت تقارير حقوقية حسب الصحيفة إلى أن قوات الأمن تستخدم بنادق صيد تطلق كريات معدنية، فضلاً عن الذخيرة الحية، في مواجهة المتظاهرين. وروى طبيب من طهران أنه استخرج “عشرين شظية معدنية من جسد متظاهر واحد”، مؤكداً أن إطلاق النار على العيون يتم بشكلٍ متعمد لـ“إحداث عاهات دائمة وبثّ الرعب في صفوف المشاركين”.
خلفية الأزمة واتساع رقعة الغضب
وانطلقت التظاهرات في 28 ديسمبر/كانون الأول احتجاجاً على الانهيار المتسارع في قيمة العملة المحلية، لكنها سرعان ما تحولت إلى موجة غضب واسعة ضد الحكومة، هي الأكبر منذ عام 2009. ليالي البلاد باتت تشهد خروج عشرات الآلاف في مسيراتٍ تردد شعارات مناهضة للقيادة العليا، رغم ما يصفه ناشطون بـ“القبضة الحديدية”.
وفي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، أغلقت السلطات ليلة الخميس الاتصالات الهاتفية وخدمات الإنترنت على نطاق واسع، ما أدى إلى عزل البلاد عن العالم الخارجي، وأتاح ـ وفق جماعات حقوقية ـ تنفيذ عمليات قمع “بعيدة عن أعين الإعلام”.
أرقام ثقيلة وصمت مفروض
ووفقاً لما نشرته وكالة نشطاء حقوق الإنسان في الولايات المتحدة (HRANA)، بلغ عدد القتلى أكثر من 2000 شخص، أكثر من 90% منهم من المتظاهرين، بينما جرى اعتقال ما يزيد على 16,700 شخص خلال الاحتجاجات المستمرة منذ أكثر من أسبوعين. وتشير التقديرات إلى أن عدد الضحايا مرشح للارتفاع، إذ يعتبر الأطباء أن الأرقام المعلنة “لا تعكس سوى جزء ضئيل من الواقع الحقيقي”.
وقال أحد الأطباء الذين غادروا إيران إن “ما تنقله وسائل الإعلام العالمية لا يُظهر حتى واحد في المئة من ما يحدث فعلياً، لأن آليات توثيق المعلومات ووسائل الاتصال شبه مشلولة داخل البلاد”.
شهادات من الميدان
ورغم الانقطاع شبه التام في الاتصالات، تمكّن بعض المتظاهرين من إيصال رواياتهم للعالم. يقول شاب يبلغ عشرين عاماً إنه شهد بأمّ عينه إطلاق النار المباشر على رؤوس المشاركين في إحدى تظاهرات طهران يوم الجمعة، مضيفاً: “كنا نهتف سلمياً، وفجأة تسلل عناصر بملابس مدنية وأطلقوا النار من الخلف. لا نعلم حتى إن كانت الجثث أُخذت أم تُركت في الشارع”.
كما أظهر مقطع مصوّر من مدينة فرديس في محافظة البرز غرب العاصمة، متظاهراً مصاباً ينزف بغزارة بينما يصرخ زملاؤه طلباً للمساعدة، في لقطاتٍ تجسّد شدة المواجهات التي وُصفت بأنها الأعنف منذ بداية الاحتجاجات.
الرواية الرسمية والاتهامات المتبادلة
وفي المقابل، تنفي الحكومة الإيرانية مسؤولية قواتها عن العنف، محمّلة المتظاهرين والمهاجمين المسلحين مسؤولية الفوضى، ومشيرة إلى مقتل ما لا يقل عن 135 شخصاً من المنتسبين إلى الأجهزة الحكومية. كما نشرت وسائل الإعلام الرسمية مقاطع تزعم أنها تُظهر “مخربين” مرتبطين بجهات أجنبية يقومون بمهاجمة مراكز شرطة ومساجد.
مأساة إنسانية مفتوحة على المجهول
ورغم هذا القمع الدموي، لا تزال التظاهرات تدخل أسبوعها الثالث، في مؤشر على عمق الأزمة الاجتماعية التي تعصف بالبلاد. داخل المستشفيات، يصف الأطباء الوضع بأنه “كارثة إنسانية بكل المقاييس”، حيث تفوق أعداد المصابين الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الصحية، فيما تُترك بعض الحالات الخطيرة دون علاجٍ كافٍ بسبب نقص الموارد والخطر الأمني المحدق بالفرق الطبية.
وفي ختام شهادته، قال أحد الأطباء الإيرانيين بصوتٍ اختنق بالعجز: “نحن لا نعالج إصابات فقط، بل نحاول إنقاذ ما تبقى من إنسانيتنا وسط هذا الجنون”.
إنها كلمات تلخّص مأساة شعبٍ يسعى إلى أن يُسمع صوته وسط صمتٍ فُرض عليه بالقوة — مأساة لم تعد مجرد أزمة سياسية، بل جرح إنساني عميق يندرج في سجل الذاكرة الإيرانية الحديثة.
اقرأ أيضاً:
إذا سقطت إيران… من يملأ الفراغ؟ إسرائيل في طريقها إلى قلب الخليج
الساعة تقترب من طهران: ترامب يجهّز خيارات الضربة… وإيران تطفئ الإنترنت وتطارد المتظاهرين بيتًا بيتًا
سقوط النظام الإيراني بين وهم الخلاص وحقيقة الخطر على دول الخليج
اعتراف إسرائيلي باختراق داخل إيران وتصاعد التوترات الإقليمية بين تل أبيب وطهران












