وطن-لطالما انتشرت في الوعي العام فكرة “أزمة منتصف العمر” بوصفها لحظة حتمية يمر بها كل إنسان عند بلوغ العقد الرابع من حياته، يراجع فيها خياراته ويتأرجح مزاجه بين الإنجاز والندم. غير أن العلم يبدو اليوم في طريقه إلى محق هذه الأفكار القديمة، لاسيما بعدما كشفت بيانات جديدة أن مسار الرضا عن الحياة يتجه في الواقع، نحو تزايد مستمر كلما تقدم الإنسان في العمر.
نهاية أسطورة المنحنى
بدأت الحكاية في سبعينيات القرن الماضي، حين صاغ أحد الكتّاب مصطلح “أزمة منتصف العمر” في مقالة لاقت صدى مدهشاً، سرعان ما تحوّل إلى “حقيقة” اجتماعية. تبع ذلك سيلٌ من الدراسات التي حاولت إثبات أن السعادة تنخفض في منتصف العمر ثم ترتفع من جديد مع الشيخوخة، لتشكل ما يشبه منحنىً على هيئة حرف “U”.
وفي عام 2008، أعلن الاقتصاديان ديفيد بلانشفلاور وأندرو أوزوالد أنهما عثرا على هذا النمط عبر تحليل بيانات عالمية، بدا من خلالها أن السعادة تبدأ مرتفعة في بدايات العمر، ثم تهبط مؤقتاً في الأربعينيات، لتعود لاحقاً إلى الارتفاع. غير أن تحليل البيانات كشف لاحقاً أن “المنحنى” كان محدوداً جداً، ينحصر في مستويات بسيطة من التغيير ضمن شريحة صغيرة من سكان الدول الصناعية الغربية، ما جعله أقرب إلى “تذبذب بسيط” لا إلى منحنى حقيقي.
عودة بلانشفلاور لتصحيح المسار
بعد أكثر من عقد على دفاعه عن فرضية المنحنى، عاد بلانشفلاور، بالشراكة مع زميله أليكس بايرون من “يونيفرسيتي كوليدج لندن”، ليعلن عام 2025 أن “منحنى السعادة” قد اختفى تماماً. الباحثان أوضحا أن الصورة تغيرت: فمستويات الرضا عن الحياة باتت لدى الشباب أقل من السابق في بعض الدول، بينما ازدادت لدى الفئات الأكبر سناً. النتيجة النهائية لم تكن “منحنى U” بل خطاً صاعداً يعبر عن تحسن تدريجي في الإحساس بالرضا مع العمر.
كما أظهرت الدراسة أن هذا الاتجاه يختلف بشكل واسع من بلد إلى آخر، ولا توجد قاعدة عالمية يمكن تعميمها. فبينما أبدت بعض الدول استقراراً نسبياً في معدلات السعادة، شهدت أخرى اتجاهاً واضحاً نحو تحسنها بين كبار السن.
قياسات دقيقة لا تُلخّص الحياة
لكن الأبحاث واجهت تحديات في طريقة القياس نفسها؛ إذ تعتمد معظم الدراسات على أسئلة لحظية من نوع “ما مدى سعادتك الآن؟”، ما يجعل الإجابات رهينة المزاج العابر لا التجربة الحياتية طويلة المدى. إضافة إلى أن معظم تلك الدراسات تُجري مقارنات بين فئات عمرية مختلفة في أوقات مختلفة، بدلاً من تتبع الأفراد أنفسهم بمرور الزمن، وبالتالي فهي تقيس فروقاً بين أجيال أكثر مما تقيس مسار العمر الواحد.
وفي دراسة موازية أجريت بين عامي 2020 و2025 وشملت بيانات عن “تدني الصحة النفسية” في 44 دولة ضمّت ملايين المشاركين، تبين أن مشاعر القلق والحزن والتوتر تتناقص مع التقدم في السن، وأن صورة “الانحدار في منتصف العمر” لم تعد واقعية. وعلى الرغم من أن هذه الفترة تزامنت مع جائحة “كوفيد-19″، فإن الباحثين استبعدوا تأثيرها المباشر، مرجحين أن التراجع في الصحة النفسية بين الشباب يعود إلى عوامل أخرى، منها – كما يشيرون – الاستخدام المفرط للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي.
ورغم أن الربط بين استخدام التقنية وتدهور الصحة النفسية لا يزال مثيراً للجدل، فإن الباحثين يؤكدون على وجود ارتباطات واسعة النطاق، حتى إنهم يصفون المسألة بأنها “محسومة” من ناحية الإحصاء، وإن لم تُثبت بعد من حيث السببية.
ما الذي تعنيه هذه النتائج لنا؟
قد تبدو هذه المعارك البحثية بين العلماء بعيدة عن حياتنا اليومية، لكنها تمسّ السؤال الذي يشغل الجميع: هل تتراجع سعادتنا فعلاً في منتصف العمر؟ تشير الأدلة الجديدة إلى أن الإجابة لا، وإن ما نمر به من تقلبات نفسية ليس قدراً محتوماً. فالإحساس بالرضا يعتمد على مجموعة واسعة من العوامل، منها الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وتاريخنا الشخصي، وطريقة تعاملنا مع الضغوط والتغيرات.
قد تمر بمرحلة من التوتر أو عدم الرضا، لكن ذلك لا يعني أنك فقدت القدرة على بلوغ السعادة مجدداً. المهم هو إدراك أن المشاعر تتبدل، وأن الصورة الكبرى لحياتك لا تُقاس بلحظة عابرة. ربما يكون التعب من متابعة الأخبار السلبية أو الإفراط في استخدام الهاتف سبباً في مزاجك المنخفض أكثر من أي “أزمة منتصف عمر”.
السعادة ليست معادلة ثابتة
النتيجة الأبرز من هذه الدراسات هي أن الإنسان ليس أسير عمره ولا سجّل ميلاده؛ فالشعور بالرضا يتطور تبعاً لبيئته واختياراته وظروفه الخاصة. لا يمكن اختزال مسار السعادة في رسم بياني، بل في رحلة فردية تتشكل بتجارب كل شخص.
قد تكون مرحلة الأربعينات فترة تمتاز بحل المشكلات، ومرحلة الخمسينات فرصة لإيجاد توازن أعمق، والشيخوخة فترة نضج والشعور بالسلام الداخلي. وفي النهاية، تذكّر أن سعادتك لا تتبع منحنىً رياضياً، بل هي تجربة إنسانية فريدة من نوعها لا تشبه باقي التجارب.
قد يعجبك
المشي البطيء… ما الذي يكشفه عن شخصيتك وصحتك وحالتك النفسية؟
مشكلة متفاقمة تؤثر في المزاج والطاقة اليومية… خبراء ينصحون بثلاث خطوات بسيطة لاستعادة النشاط










