وطن-في مشهدٍ إنساني حافل بالمشاعر والدلالات، ودّع المئات من أهالي محافظة ظهران الجنوب في منطقة عسير رجلاً يُعتقد أنه من أقدم المعمّرين في المملكة، وسط حضور فاق سبعة آلاف مشيّع أدّوا صلاة الجنازة عليه قبل مواراته الثرى في قريته الوادعة “آل رشيد”.
الرجل هو ناصر بن ردان آل رشيد الوادعي، الذي أعلنت أسرته وفاته في الثامن من يناير بمدينة الرياض عن عمرٍ قيل إنه بلغ 142 عاماً، بحسب ما أوردته وسائل إعلام محلية. وتشير الروايات العائلية إلى أن مولده يعود إلى عام 1884، أي قبل توحيد المملكة بسنوات طويلة، وفي الفترة التي شهد فيها العالم بداية إنشاء تمثال الحرية في الولايات المتحدة.
مسيرة تمتد عبر عصور الملوك والمؤسسين
تروي أسرته أن الفقيد عاش عهوداً متعاقبة من حكم المملكة منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز وصولاً إلى عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، وكان معروفاً بتواضعه وتمسّكه بعاداته وقيمه الدينية. كما عُرف بشغفه بأداء فريضة الحج، إذ أدّاها – وفق ما تؤكده أسرته – أكثر من أربعين مرة خلال حياته المديدة.
اللافت في سيرته أنّه ظلّ محافظاً على نشاطه حتى سنوات متقدمة من عمره، إذ تزوّج آخر مرة وهو في سنّ المئة والعشرة، ورُزق بابنة بعد ذلك. ويعتقد أنه خلّف وراءه نحو 134 بين ابنٍ وحفيدٍ وحفيدة.
الجدل العلمي: هل يمكن لإنسان أن يعيش 142 عاماً؟
ورغم الاحتفاء الشعبي الذي رافق خبر وفاته، فقد أثار عمره المعلن نقاشاً واسعاً بين المختصين حول مدى إمكانية تجاوز الإنسان حاجز المئة والأربعين عاماً. فبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، يبلغ متوسط العمر المتوقع في السعودية نحو 78 عاماً فقط، ما يجعل مثل هذا الرقم استثنائياً إلى حدّ التشكيك.
من جهته، صرّح البروفسور ديفيد وينكوف، رئيس الجمعية البريطانية لأبحاث الشيخوخة، بأن بلوغ سن 142 عاماً “يبدو احتمالاً ضعيفاً للغاية”، موضحاً أنّ الكثير من مناطق العالم لا تمتلك سجلات دقيقة تعود إلى ما قبل قرنٍ ونصف، ما يصعِّب التحقق من مثل هذه الحالات. وأضاف أن من المبادئ المعروفة في علم الشيخوخة أن فرص الإنسان في تجاوز كل عامٍ إضافي بعد المئة تصبح أشبه بطرح عملةٍ معدنية يتوقع فيها المرء الوجه ذاته مراراً دون انقطاع.
أسرار العمر الطويل… حقيقة أم حكايات؟
يتداول الناس حول العالم عشرات القصص عمّن بلغ أعماراً نادرة، ويربط البعض طول العمر بعادات غذائية أو صحية معينة؛ من الامتناع عن التدخين إلى الاعتدال في الطعام والشراب. ويوضح وينكوف أن العلم لم يتوصّل إلى “سر واحد” للحياة المديدة، لكنه يؤكد أن نمط الحياة المتوازن—من غذاء صحي، ونشاط بدني، واعتدال في استهلاك الكحول، وتجنّب التدخين—يُعدّ من العوامل المساعدة المؤكدة لإطالة العمر وجودته.
الشيخوخة قضية مستقبلية في السعودية
تشهد المملكة في السنوات الأخيرة تحوّلات ديموغرافية واضحة مع انخفاض معدلات الولادة وارتفاع متوسّط الأعمار، وهو ما يضع قضايا رعاية المسنين ونوعية الحياة في صدارة الاهتمام الصحي والاجتماعي. ويقول وينكوف إن وجود معمّرين في السعودية أمر ممكن في ظل تحسّن مستوى المعيشة والرعاية، إلا أن بلوغ 142 عاماً “يبقى رقماً صعب التصديق علمياً”.
وداع بمعاني إنسانية
رحل الوادعي تاركاً خلفه أسرةً كبيرة وذكرياتٍ تمثل وجهاً من وجوه التاريخ الاجتماعي في المملكة. ورغم الجدل حول عمره الحقيقي، فإن قصته تستحضر في أذهان كثيرين معنى الاستمرار عبر الأجيال، وقيمة الحفاظ على الروابط العائلية والإيمان، كمقوّمات روحية تتجاوز الأرقام وتخلّد الأثر الإنساني في حياة المرء.
اقرأ المزيد
تقنية طبية جديدة تتابع الورم لحظة بلحظة وتعيد الأمل لمرضى السرطان
الكولاجين بين الوعد العلمي والواقع البيولوجي: ما الذي يجب أن نعرفه قبل تناول المكملات الغذائية؟
الدوائر الإلكترونية: ابتكار جديد على الجلد










