وطن-في السنوات الأخيرة، أصبحت العملات الرقمية حديث السوق المالية العالمية، إذ تعد رمزًا لعصر جديد في الاقتصاد الافتراضي، لكنها في الوقت نفسه تثير هواجس المستثمرين بسبب تذبذب قيمتها بشكل حاد وغير متوقع. هذه الخصوصية ليست عَرَضًا عابرًا، بل هي سمة متأصلة في طبيعتها، ناتجة عن عوامل متعددة تتشابك ما بين غياب التنظيم، وحداثة السوق، وتأثير المزاج العام للمستثمرين.
سوق حساس بطبيعته
يتفق الخبراء على أن الأسواق المالية عامةً تتأثر بسرعة بالأخبار والأحداث الطارئة، وكان انهيار البورصات العالمية عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 مثالًا صارخًا على ذلك، حيث فقد مؤشر “داو جونز” حينها 684 نقطة (بنسبة 7.1%)، بينما تراجع مؤشر “ستاندر آند بورز” بنسبة 11.6% في يوم واحد.
ورغم أن العملات الرقمية لا تتأثر مباشرة بعوامل مثل التضخم، إلا أنها شديدة الحساسية للتقارير والتصريحات والأخبار، سواء كانت واقعية أو مجرد تكهنات.
من اتباع سياسة “القطيع” إلى الذعر الجماعي
يُذكر أنه من أبرز السمات التي تفسّر تقلب أسعار العملات المشفّرة هي ما يُعرف بـ “تأثير القطيع”. فعندما يشعر المستثمرون الصغار بالقلق من هبوط محتمل، يتسابق الكثير منهم إلى البيع دفعة واحدة، ما يؤدي إلى تسارع الانحدار في القيمة السوقية. هذه السلوكيات العاطفية تكرس حالة انعدام التوازن وتجعل السوق عرضة للتقلب المستمر.
الندرة وسوق بلا رقابة
وتُعد عملة “البيتكوين” النموذج الأوضح لذلك. إذ يبلغ الحد الأقصى لعدد وحداتها 21 مليون وحدة فقط، مقارنة بعملة مثل “دوجكوين” التي يتجاوز عددها 139 مليار قطعة متداولة. هذه الندرة تجعل البيتكوين مرجعًا لبقية العملات الرقمية، فمجرد تراجعها يثير موجة قلق تطاول السوق بأكملها.
لكن غياب جهة تنظيمية رسمية يزيد الأمر تعقيدًا؛ فلا يوجد إطار حكومي يضمن الاستقرار أو يحد من المضاربات، مما يعمّق الشعور بعدم اليقين لدى المستثمرين.
أصوات الخبراء بين الحذر والتشكيك
من جهته، يرى بول فيراديتتاكيت، من شركة Pantera Capital، أن التعامل مع العملات المشفّرة يتطلب تنويع الاستثمارات لتقليل المخاطر المحتملة، موضحًا أن “الاستثمار الفردي في أصل واحد قد يكون مغامرة غير محسوبة؛ فتنويع المحافظ يساعد على موازنة الخسائر وتحقيق بعض المكاسب المحتملة”.
في المقابل، قدّم الاقتصادي الأميركي روبرت شيلر في عام 2018 نظرة أكثر تشاؤمًا، حين شبّه العملات الرقمية بـ”مخطط هرمي”، موضحًا أن الأرباح الأولية تجذب مستثمرين جدد ليغذّوا صعود الأسعار، إلى أن يتراجع الاهتمام وتنهار المنظومة فجأة تاركة خسائر موجعة.
أما الخبير ويليام كويغلي من شركة Magnetic فيحذّر من تأثير شخصيات عامة مثل إيلون ماسك، إذ يرى أن تغريدة واحدة بعدد 280 حرفًا قد تسبب تقلبات كبيرة في الأسواق الرقمية، مشيرًا إلى ضرورة التعامل بحذر مع تلك التصريحات “خصوصًا عندما تصدر ممن لا يمتلك معرفة حقيقية بهذه الصناعة”.
ومن منظور آخر، توضح ريا بوتوريا، المديرة السابقة للبحوث في Fidelity Digital Assets، أن غياب تدخل البنوك المركزية أو الحكومات يترك السوق في حالته الطبيعية دون دعم أو تحكم صناعي، معتبرة أن “تقلب سعر البيتكوين هو الثمن الذي يدفعه المستثمرون مقابل سوق حر لا يخضع للتلاعب”.
المستقبل بين التوازن والنضج
لا يتجاوز عمر العملات الرقمية 12 عامًا، وهو زمن قصير لبناء استقرار فعلي في أي سوق مالي. ومع اتساع انتشارها وتغير طبيعة المستثمرين نحو مزيد من المهنية، يُتوقع أن تتراجع حدة التقلبات تدريجيًا. كما أن تحول العملات المشفّرة إلى أداة مالية مألوفة قد يُخفف من حدة الاندفاع والمضاربة الحالية.
وأخيراً لا شك أن العملات الرقمية تمثل أحد أكثر الابتكارات المالية إثارة في القرن الحادي والعشرين؛ فهي تجمع بين حلم الاستقلال الاقتصادي ومخاطر المجهول. وبينما تفتح الباب أمام فرص استثمارية مغرية، فإنها تذكّرنا دائمًا بأن الوعي المالي، والحذر من الانسياق وراء الموجة، هما خط الدفاع الأول أمام سوق عالمية يصعب التحكم فيها.
قد يعجبك
الأسواق المالية تخضع لقانون عالمي موحد: دراسة يابانية تكشف أساساً مشتركاً وراء حركة الأسعار
البيتكوين بين مدّ التفاؤل واحتمالات التراجع: عام 2026 يُرسم بمعادلات الاقتصاد والسياسة
توقعات بنمو سهم أمازون بنسبة تقارب 50% بحلول عام 2026 رغم عام من التقلبات










