وطن-برز مؤخرًا في عالم الطب الدقيق، إنجاز جديد يَعِدُ بتغيير قواعد علاج الأورام المعقّدة. فقد أعلن مركز العلاج بالبروتونات في مجموعة “كيرون سالود” بإسبانيا عن إدخال جهاز متطور يجمع بين التصوير بالرنين المغناطيسي والتسريع الخطي للإشعاع، في خطوة تجعل من المركز واحدًا من ابين لقلائل حول العالم الذين يجمعون بين العلاج بالبروتونات والعلاج الإشعاعي التكيّفي متعدّد الدقة.
جسد لا يهدأ وتحدٍ مستمر للأطباء
يتحرّك جسم الإنسان باستمرار — مع كل عملية تنفّس. هذه التحركات الدقيقة، وإن كانت غير محسوسة، قد تغيّر موضع الورم بمقدار مليمترات، ما يصعّب على الأطباء استهدافه بدقة أثناء العلاج الإشعاعي.
من جهتها، توضح الطبيبة آنا دي بابلو، اختصاصية علاج الأورام بالإشعاع، أنّ “الجسم ليس ثابتًا على الإطلاق، فالأعضاء تتحرك تبعًا للتنفس والهضم وحتى مرور الوقت، الأمر الذي يفرض على المتخصصين التعامل مع متغيرات مستمرة قد تؤثر في مدى دقة الأشعة وما قد يتعرض له النسيج السليم من تأثر غير مرغوب”.
ولطالما اعتمد الأطباء على هامش أمان أوسع لتفادي انحراف الإشعاع عن هدفه. لكن هذا الحل يعني، عمليًا، تعريض أجزاء أكبر من الجسم السليم للإشعاع. وهنا يأتي دور التقنية الجديدة لتغيّر هذا الواقع.
مزيج بين التشخيص والعلاج في لحظة واحدة
لم يكن دمج جهاز الرنين المغناطيسي مع التسريع الخطي للإشعاع أمرًا يسيرًا، إذ يتعارض المجال المغناطيسي القوي للرنين مع الإشعاع المؤيّن للمسرّع. غير أن مهندسي الطب تمكنوا بعد سنوات من الأبحاث، من تطوير منظومة متكاملة قادرة على العمل بتناسق لحظي.
ويسمح الجهاز المعروف باسم “MR‑Linac”، للأطباء برؤية الورم متحرّكًا أثناء الجلسة الإشعاعية نفسها — ليس من خلال صور سابقة، وإنما برصد مباشر لما يحدث داخل الجسم. ويشرح المتخصص والتر فاسكيث أن “الميزة الكبرى في هذه التقنية هي مراقبة الورم والأنسجة السليمة في كل لحظة من دون الحاجة إلى إجراء فحوص إضافية أو تعريض المريض لجرعة إشعاعية زائدة”.
كما يستطيع النظام كذلك إعادة حساب الخطة العلاجية في التوقيت نفسه إذا لاحظ تغيّرًا في شكل الورم أو حجم أحد الأعضاء القريبة. وفي حال خروج الورم عن النطاق المحدد له أثناء العلاج، تتوقف الأشعة تلقائيًا لتُستأنف فور عودته إلى موقعه، في ما يشبه وجود “نظام تحديد موقع أورامي” بالغ الدقة.
ويشير الفيزيائي الطبي أليخاندرو مازال إلى أن هذا المستوى من التحكم يتيح إمكانية تطبيق ما يُعرف بالعلاج المفرط التحديد، أي جلسات أقصر وأكثر فعالية وبنتائج أفضل تحملاً للمريض.
من هم المستفيدون الأوائل من التقنية؟
لا تشبه الأورام السرطانية بعضها بعضا؛ فهناك أنواع تتنقّل داخل الجسم بفعل حركة التنفس أو الأعضاء المجاورة، مثل أورام الرئة والكبد والبنكرياس والكلى. أما الأورام القريبة من أعضاء حساسة — كـالبروستاتا — فتتطلب أعلى درجات الدقة، مما يجعل التصوير اللحظي عاملاً فارقًا في تقليل المضاعفات وتحسين فرص السيطرة على المرض.
وبحسب فاسكيث، تعني هذه التقنية “علاجًا يتمتع بدقة متناهية وتأثيرات جانبية أقل، مع قدرة أكبر على السيطرة على الورم”. وتشير تقديرات المركز إلى أن عدد المستفيدين سيبدأ بنحو 100 مريض سنويًا في المرحلة الأولى، ليصل إلى 400 مريض مع توسّع نطاق الاستخدام.
نحو منهج جديد في التخطيط الإشعاعي
لطالما كانت الخطط العلاجية الإشعاعية تُعد مسبقًا اعتمادًا على صور مأخوذة قبل أيام، مما يجعلها استنادًا إلى وضع تشريحي قد تغيّر مع الوقت. أما اليوم، فالمعالجة القائمة على التكيّف اللحظي تحوّل العلاج من عملية ثابتة إلى نظام تفاعلي ديناميكي يُضبط لحظة بلحظة وفق ما يراه الطبيب أمامه مباشرة.
ومن جهتها ترى الدكتورة ستيفاني بولي، رئيسة قسم علاج الأورام بالإشعاع في المركز، أن هذا التطور “يوسع من خيارات المرضى ويؤسس لعصر يستطيع فيه الطب التنبؤ بحركة الجسم والتكيف معها فورًا”.
ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، يُنتظر أن تتعلم الأنظمة مستقبلاً من كل جلسة علاجية لتتنبأ مسبقًا بحركة الورم أو تغير شكل الأعضاء أثناء الجلسة نفسها.
مكانة ريادية لإسبانيا في الابتكار الطبي
يضع عملية ابتكار هذا الجهاز المتقدم إسبانيا، في موقع مميز على خريطة الابتكار الطبي الأوروبية، إذ لا تزال مراكز قليلة عالميًا تمتلك القدرة على الجمع بين العلاج بالبروتونات والعلاج الإشعاعي القائم على الرنين المغناطيسي في مكان واحد.
هذا ولا تقتصر المكاسب على جودة الرعاية السريرية فقط، بل تمتد إلى دعم البحث العلمي ومتابعة استجابة الأورام في الزمن الحقيقي ومقارنة الأساليب العلاجية الحديثة، وهو ما كان يُعد قبل سنوات حلمًا مستحيلاً.
أمل جديد لمرضى الأورام
في الحقيقة، قد تبدو التقنيات الحديثة معقدة في تفاصيلها، لكنها في جوهرها تضع المريض في قلب المعادلة. فكل تحسين في الدقة يعني ضررًا أقل على الأنسجة السليمة، وتوقعًا أفضل للنتائج، وتجربة علاجية أكثر إنسانية وأقل ألمًا. ومع دخول جهاز “MR‑Linac” الخدمة، تقترب الإنسانية خطوة إضافية من علاج الأورام بدقة تُوازي سرعة نبض الحياة نفسها — رؤية جديدة لجسد يتحرك، وطبّ يتحرك معه نحو مستقبل أكثر أمانًا وأملًا.
اقرأ المزيد
العناية بالشعر من الداخل: دراسة علمية تكشف تحولًا جديدًا في فهم تساقط الشعر لدى النساء
لماذا يتمكن بعض الأشخاص من تذكّر الوجوه بدقة مدهشة حتى بعد مرور سنوات طويلة










