وطن-في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والسياسية، لم تعد إدارة الثروة مقتصرة على تنويع المحافظ الاستثمارية أو التخطيط الضريبي، بل امتدّت إلى بُعد جديد يُعنى بمسألة الإقامة القانونية للعائلات الثرية وموقعها الجغرافي. فاليوم، بات السؤال الجوهري الذي يشغل العائلات ذات الملاءة العالية حول العالم هو: أين يجب أن تستقر عائلتي… ولماذا هناك تحديدًا؟
وتشير التوقعات الخاصة بهجرة أصحاب الثروات حتى عام 2026 إلى أن أعداد العائلات الثرية التي تنتقل من بلدٍ إلى آخر تسجّل مستويات غير مسبوقة. وما يلفت الانتباه ليس حجم التنقل فقط، بل الغايات التي تقف خلفه؛ إذ أصبحت معظم الدول المستقبِلة لهذه الفئة تعتمد أطرًا قانونية منظمة تمنح إقامة أو جنسية مقابل استثمارات مالية محددة، في مسعى لجذب رؤوس الأموال والمواهب والكفاءات المتحركة عالميًا.
وأصبحت هذه الظاهرة تُعرف في الأوساط الاقتصادية بـ”الانتقال الاستراتيجي”، وهي وسيلة متعمدة لحماية الثروة وتأمين المستقبل.
هجرة الأثرياء أداة لإدارة المخاطر
توضح مؤسسة “هينلي آند بارتنرز” المتخصصة في استشارات الهجرة والإقامة، أن التخطيط للإقامة والجنسية بات عنصرًا رئيسيًا في إدارة الثروة، لا يقل أهمية عن توزيع الأصول أو التخطيط العقاري. هذه القرارات تُحدِّد اليوم إمكانية الوصول إلى الأسواق، وفرص الاستثمار، ومستقبل الأبناء التعليمي، ومدى التعرض للمخاطر الضريبية أو التقلبات السياسية والاقتصادية.
فعائلات أصحاب الثروات أصبحت تُشيِّد ما يشبه “محافظ للتنقّل”، لا تقتصر على جوازات السفر، بل تشمل مجمل الأدوات التي تضمن حرية الحركة والاستقرار عند الحاجة.
الإمارات: مركز جاذب لرأس المال العالمي
برزت دولة الإمارات العربية المتحدة في الصدارة كمحطة مفضلة للأثرياء الباحثين عن بيئة مستقرة وآمنة لإدارة أموالهم. هذا النجاح لم يأتِ صدفة؛ بل نتيجة مزيج من الانفتاح الاقتصادي واستقرار السياسات وبرامج الإقامة الواضحة مثل “التأشيرة الذهبية”، التي تمنح إقامة طويلة الأمد للمستثمرين ورواد الأعمال وأصحاب الكفاءات.
وتقدّم الإمارات منظومة شاملة تضم إعفاءً من ضريبة الدخل للأفراد، وغيابًا لضريبة الثروة أو رأس المال، إضافة إلى بنية تحتية قانونية وتنظيمية متقدمة، ونظام تصاريح مرن وواضح، ما يجعلها بيئة مثالية للمستثمرين والعائلات على حد سواء.
السعودية: صعود سريع نحو جذب الكفاءات والثروات
في ظل “رؤية السعودية 2030″، تسعى المملكة إلى تنويع اقتصادها وتوسيع آفاقه نحو قطاعات السياحة والطاقة المتجددة والتقنية، الأمر الذي جعلها إحدى الوجهات الصاعدة لأصحاب الثروات الباحثين عن فرص جديدة. قدّمت الرياض إطارًا تشريعيًا حديثًا من خلال “نظام الإقامة المميزة”، الذي يتيح إقامة طويلة الأمد للمستثمرين ورواد الأعمال وأصحاب الكفاءات المتميزة.
هذه الإقامات تمنح أصحابها إمكانية الاستفادة من الخدمات الحكومية والمالية والتعليمية والصحية، بالإضافة إلى إمكانية ضم أفراد الأسرة، في إشارة واضحة إلى رغبة المملكة في أن تكون وجهة طويلة المدى لرأس المال البشري والمالي على السواء.
أوروبا: بوابة التنقل والأمان الطويل المدى
وعلى الرغم من التحولات العالمية، لا تزال أوروبا تحتفظ بجاذبيتها المستمرة للميسورين الذين يبحثون عن أمن قانوني وخيارات حياتية متنوعة.
فعلى سبيل المثال تتيح البرتغال، برنامج “الإقامة الذهبية” الحصول على حقوق الإقامة والعمل والدراسة مقابل استثمار لا يقل عن 250 ألف يورو، مع إمكانية التقدّم للجنسية بعد خمس سنوات فقط. وتجمع البلاد بين جودة التعليم والرعاية الصحية والأمان الشخصي والبيئة الثقافية الغنية.
أما اليونان، فما زالت تقدم واحدًا من أكثر البرامج الاقتصادية كلفة، عبر استثمار عقاري بقيمة 250 ألف يورو يمنح إقامة قابلة للتجديد دون شرط الإقامة الفعلية، مع إمكانية التقدّم للجنسية بعد سبع سنوات.
وفي إيطاليا وسويسرا، تظل برامج الإقامة مرتبطة بعناصر الوجاهة والاستدامة، إذ تستقطب هاتان الدولتان العائلات الراغبة في بيئة مالية مستقرة وخدمات عالية الخصوصية.
الولايات المتحدة: السوق الأكبر والفرص الأوسع
رغم تشديد الإجراءات الهجرية، لا تزال الولايات المتحدة وجهة رئيسية للثروة العالمية، بفضل قوة اقتصادها واتساع أسواقها. يُعدّ “برنامج EB-5” الأشهر، إذ يمنح إقامة مشروطة مقابل استثمار بلغ حده الأدنى 800 ألف دولار في مشاريع توفر وظائف جديدة. هذا البرنامج يمثل بوابة ليس للإقامة فقط، بل للاندماج في أكبر سوق استهلاكية وفي نظام جامعي وابتكاري رائد عالميًا.
كما أُضيف مؤخرًا، في ديسمبر 2025، ما عُرف باسم “بطاقة ترامب الذهبية”، التي توفر طريقًا سريعًا للإقامة الدائمة مقابل منحة قدرها مليون دولار ورسوم معالجة غير قابلة للاسترداد، مع مراعاة شروط الفحص والموافقة الرسمية.
آسيا والمحيط الهادئ: نموذج التوازن بين الاستقرار والابتكار
في سنغافورة، يُعتبر برنامج المستثمر العالمي أحد أبرز الأطر التي تجذب رواد الأعمال ومديري الثروات من حول العالم. تمنح الدولة إقامة دائمة في بيئة تسودها الشفافية والاستقرار، وتوفير نظام ضريبي محفّز للمستثمرين، إلى جانب تعليم ورعاية صحية في مصاف العالمية.
أما أستراليا، فتعتمد على برنامج “تأشيرة الابتكار الوطني”، الموجه لأصحاب الإنجازات الدولية في ميادين البحث والابتكار، دون اشتراط حد أدنى للاستثمار المالي. وتمنح العائلات المختارة إقامة دائمة ومسارًا واضحًا نحو الجنسية في بيئة متعددة الثقافات وعالية الجودة المعيشية.
يتضح أن تحركات أصحاب الثروات اليوم لم تعد محكومة بالرغبة في السياحة أو الترف، بل تُدار كجزء من استراتيجية عائلية واقتصادية لحماية الأصول وضمان حرية التنقل والاستقرار أمام عالم يشهد تقلبات متسارعة. ومع تنامي المنافسة بين الدول لاستقطاب هذه الفئة، يبدو أن “الإقامة” لم تعد عنوانًا جغرافيًا فقط، بل أداة استثمارية ومعيارًا جديدًا في هندسة المستقبل المالي للعائلات الثرية حول العالم.
اقرأ المزيد
مدن تكسر الخوف وتسحر المسافرين بأمانها في عام 2026
سباق خفي بين الأثرياء بحثاً عن جواز سفر يمنحهم طوق نجاة جديد










