وطن-في عالمٍ سريع التغيّر، تظل القصص الإنسانية المفعمة بالوفاء والتفاني تذكيرًا نادرًا بقيمة الالتزام وسط ضجيج الحياة. أحد هذه النماذج الملهمة يقدّمه الإعلامي الأميركي الشهير جاي لينو، الذي تحدّث مؤخرًا بصراحة عن تجربته مع زوجته مافيس، بعد مرور خمسةٍ وأربعين عامًا على زواجهما، وعن المرحلة الصعبة التي يعيشانها عقب تشخيصها بمرحلة متقدّمة من الخرف مطلع عام 2024.
مسؤولية الحب التي لا تنتهي
ليونـو، البالغ من العمر 75 عامًا، استعاد في حواره عبر بودكاست “Life Above the Noise” مع الإعلامية ماريا شرايفر تفاصيل من رحلته الزوجية، وروى كيف غيّر المرض ملامح حياتهما اليومية دون أن يمسّ جوهر العلاقة بينهما. وأوضح أن كثيرين بدوا مندهشين من تمسّكه بعهود الزواج قائلًا، بصياغة تعبّر عن اقتناعه العميق: “حين تتزوج، تقطع وعدًا، والغريب أن بعض الناس يبدون مصدومين حين تلتزم به فعلًا.”
هذا التعليق اختصر، وفق حديثه، الطريقة التي أصبحت بها قيم الالتزام اليوم موضع دهشة، بعد أن كانت قاعدة بديهية في العلاقات الإنسانية. وأشار إلى أن ما كان يُعتبر انحرافًا عن المألوف في الماضي أصبح مألوفًا الآن، بينما بات الوفاء نفسه يُنظر إليه بوصفه تصرفًا “استثنائيًا”.
من أضواء المسرح إلى محطات الرعاية
يُذكر أن جاي تعرّف على مافيس في عام 1980 عندما كان يؤدي عروضه الكوميدية في أحد نوادي لوس أنجلوس، لتبدأ بينهما قصة حب تحولت إلى زواج استمر أكثر من أربعة عقود. ومع تقدم حالتها المرضية، حصل في أبريل 2024 على حق الوصاية القانونية عليها، حرصًا على تلبية احتياجاتها اليومية وتأمين رعايتها الصحية المستمرة.
ورغم ما يرافق المرض من تحديات نفسية وجسدية، يحافظ لينو على نبرة التفاؤل وروح الدعابة التي ميّزت مسيرته. يروي أنه يحاول دائمًا أن يرسم الابتسامة على وجه زوجته، مشيرًا إلى أن جعل مافيس تضحك ما يزال هدفه اليومي الأكبر. واستذكر إحدى اللحظات الطريفة بينهما حين قالت له فجراً إنها تحبه، فأجابها ممازحًا: “يبدو أنك ترين كابوسًا، عودي للنوم.” ويضيف ضاحكًا: “ضحكت طويلًا، وكنت سعيدًا لأنني استطعت أن أُضحكها.”
معنى الشراكة في أوقات العسر
ومع كل ما تحمله التجربة من صعوبة، يرى لينو أن المرض لم يغيّر فقط طبيعة حياته الأسرية، بل شكّل اختبارًا حقيقيًا للمعنى الإنساني للشراكة الزوجية. يقول عن هذه المرحلة: “لقد كنا محظوظين طوال حياتنا معًا، والآن جاءت اللحظة التي تحتاج قليلًا من الصبر والجهد.”
ورغم ضغوط الشهرة والنظرة العامة، يصرّ المقدم المخضرم على أن البقاء إلى جانب مافيس ليس بطولة خاصة، بل “ما ينبغي أن يكون عليه الأمر”، على حد تعبيره، مؤكدًا أن الوفاء لا يُقاس بما يواجهه المرء من سهولة أو صعوبة، بل بما يقدّمه من محبة واستمرارية حين تشتد الظروف.
رسالة وفاء تتجاوز الحدود
قصة جاي ومافيس ليست مجرد حكاية عن تحدي الخرف، بل دعوة للتأمل في المعاني الأصيلة للعلاقة الإنسانية، حين تظل المشاعر قائمة رغم تبدّل المظاهر. وهي تذكّر بأن المرض، مهما كان قاسيًا، لا يُلغي القدرة على العطاء أو على مشاركة الضحك في أدقّ تفاصيل الحياة اليومية.
وفي ختام حديثه، بدا لينو ممتنًا رغم كل شيء، حين قال بأسلوب بسيط يمزج الواقعية بالإصرار: “نحن في خضم كلّ هذا سويًا.” إنها عبارة قصيرة، لكنها تحمل في طيّاتها درسًا كبيرًا عن معنى البقاء، وعن أن الوفاء الحقيقي لا يحتاج إلى بطولات، بل إلى قلبٍ يعرف كيف يصبر ويحب بلا قيدٍ أو شرط.
اقرأ المزيد
حين يصبح الفندق بيتًا.. زوجان بريطانيان يعيشان في فندق طوال أكثر من عقدين
العلم يرسم خريطة خفية لجسد الإنسان: مشروع عالمي لرصد كل خلية حية










