وطن-رغم أن أصحاب الثروات الكبرى لا يمثلون سوى نسبة ضئيلة جدًا من سكان العالم، فإن تأثيرهم الاقتصادي يكاد يفوق ما يملكه ملايين الأفراد مجتمعين. هذا التفاوت اللافت لا يرتبط غالبًا بالصدف، بل بسلسلة من القرارات الواعية والعادات المتكررة التي صاغت ملامح نجاحهم على مدى سنوات من الانضباط المالي والتخطيط البعيد المدى.
منهج في التفكير قبل أن يكون ثروة
تكشف بيانات حديثة أن معظم الأثرياء لا ينتمون بالضرورة إلى عائلات غنية، بل إن 79% منهم لم يتلقوا أي نوع من الميراث، فيما أكد ثمانية من كل عشرة أنهم ينحدرون من أسر متوسطة أو محدودة الدخل. فقط 2% نشأوا في بيئات ميسورة. هذه الأرقام وحدها تكفي لتفنيد المقولة القديمة بأن الثروة “تورَّث”. فالغالبية بنت نجاحها بعرق الجبين وبحسن إدارة المال والعمل المتواصل.
وفي إطار دراسة شاملة أجرتها شركة “Ramsey Solutions”، التي أسسها الخبير المالي الأميركي ديف رامسي، شمل المسح نحو عشرة آلاف مليونير من بلدان متعددة، وركز على أنماط تفكيرهم المالي وخططهم التعليمية والاستثمارية. النتائج أظهرت قواسم مشتركة واضحة: الانضباط، البُعد عن الاستهلاك المفرط، والرؤية الطويلة الأجل.
كيف يتعامل الأثرياء مع المال؟
الاستثمار بالنسبة للأثرياء ليس خيارًا تكميليًا، بل هو ركيزة أساسية في بناء الثروة وحمايتها. فهم لا يلاحقون الصفقات السريعة ولا ينجرفون وراء الصيحات المؤقتة، بل يبحثون عن النمو المستقر عبر قرارات مدروسة ومحسوبة.
ويكشف المسح أن ثمانية من كل عشرة مليونيرات استثمروا بانتظام في خطط التقاعد المعروفة في شركاتهم مثل خطة 401(k)، حيث يتم اقتطاع جزء من الراتب شهريًا ليُستثمر تلقائيًا في صناديق محددة. هذا الأسلوب لم يضمن فقط تراكم الأرباح، بل حدّ من الإنفاق العشوائي، وجعل الادخار عادة يومية أكثر من كونه قرارًا مرحليًا.
كما أن ثلاثة أرباع المشاركين لديهم استثمارات خارج إطار العمل، لكنهم جميعًا يشتركون في مبدأ واحد: دراسة المخاطر قبل أي خطوة. لا وجود للمغامرة غير المحسوبة في قاموسهم، فالقرار المالي لديهم يقوم على التحليل والمقارنة لا على الانجراف مع العاطفة أو الشائعات.
أما في ما يتعلق بالإنفاق، فالمفاجأة تكمن في بساطة حياتهم مقارنة بما يُتوقع. إذ يُظهر المسح أن 94% يعيشون دون مستوى دخلهم الحقيقي، بينما يتجنب 93% منهم الديون الاستهلاكية، خصوصًا بطاقات الائتمان. حتى أسلوب التسوق لديهم يخضع لتخطيط مسبق؛ فكثيرون يستخدمون القسائم الشرائية ويضعون سقفًا شهريًا معتدلًا لمصاريف المطاعم لا يتجاوز أربعة آلاف بيزو تقريبًا. هذه الأرقام تؤكد أن الانضباط أهم من الأنماط الاستعراضية المرتبطة بمفهوم الثراء.
التعليم: حجر الأساس لا الترف
فيما يتعلق الجانب التعليمي، خالفت الأرقام كثيرًا من التوقعات. فـ88% من المليونيرات أكملوا دراستهم الجامعية، وحصل 52% منهم على درجات دراسات عليا، إما ماجستير أو دكتوراه. وفي المقابل، لم تُعتبر هوية الجامعة مؤشرًا حاسمًا للنجاح، بل القدرة على استثمار المعرفة وبناء شبكة علاقات منتجة.
وفيما يُستشهد غالبًا بأسماء مثل بيل غيتس أو ستيف جوبز أو مارك زوكربيرغ كأمثلة على النجاح من دون شهادة جامعية، تؤكد الأرقام أنهم يظلون استثناءً محدودًا من قاعدة أوسع تقوم على أهمية التعليم المنتظم.
أما بالنسبة للتخصصات الأبرز بين المليونيرات في الولايات المتحدة، فجاءت الهندسة، والمحاسبة العامة المعتمدة، والتعليم، والإدارة، والقانون في الصدارة. هذه المجالات لا تُصنَّف عادة ضمن المهن “البراقة”، لكنها تعتمد على مزيج من المنهجية، التفكير التحليلي، والاستقرار المهني، وهي عناصر تهيئ لصاحبها أرضية متينة للنمو المالي.
الجامعات التي صاغت قادة الثروة
حددت تقارير اقتصادية 11 جامعة أنتجت أكبر عدد من الأثرياء حول العالم، تتصدرها جامعة هارفارد (29 مليونيراً)، تليها جامعة بنسلفانيا وستانفورد (28 لكل منهما)، ثم ييل (21)، وبعدها جامعة مومباي (20). وجاءت خلفها كل من كورنيل (18)، جامعة جنوب كاليفورنيا (15)، معهد ماساتشوستس للتقنية (14)، وكولومبيا وبرينستون وكاليفورنيا – بيركلي بواقع 11 مليونيراً لكل منها. ورغم بريق هذه الأسماء، تشير الدراسة إلى أن الالتحاق بمؤسسة مرموقة لا يضمن الثروة، ما لم يقترن بالاجتهاد والإدارة الحكيمة للموارد.
رسالة للقراء
التجربة الجماعية لهؤلاء الأثرياء لا تُقدَّم كدليل جاهز نحو الثراء، بل كخريطة ذهنية لما يمكن لأي شخص أن يبدأ به: الانضباط المالي، الاستثمار المنتظم، التعلم المستمر، وتجنب الديون غير المنتجة. الطريق طويل، لكنه ليس مستحيلاً، ومن الواضح أن الثروة ليست حكرًا على من وُلدوا محظوظين، بل ثمرة لوعي متجدد بكل قرار مالي صغير يُتخذ اليوم ليصنع مستقبلًا أكثر استقرارًا غدًا.
اقرأ أيضاً
أسرار أغنياء يبتعدون عن الملابس الفاخرة بحثًا عن قيمة أعمق للثروة
نقطة التحول المالية: عندما تصل السيولة النقدية إلى هذا الرقم، عليك تحديث خططك المالية










