وطن-تُعدّ العلاقة بين الإنسان وجسده من أكثر الجوانب حساسية في تشكيل صورته الذاتية، غير أن هذه العلاقة قد تأخذ أحيانًا منحًى قاسيًا عندما تتحول بعض التفاصيل البسيطة إلى مصدر خوف حقيقي، كما هو الحال في ما يُعرف بـ«رهاب الشعر» أو الفانيروفوبيا، وهو اضطراب نفسي نادر يعبّر عن نفور شديد وغير مبرر من رؤية شعر الجسم، سواء كان شعر الشخص نفسه أو شعر الآخرين.
اضطراب يتجاوز حدود النفور
لا يقتصر الأمر على الشعور بعدم الارتياح أو الانزعاج من المظهر الجسدي؛ فالمصاب برهاب الشعر يعيش حالة من التوتر المفرط لمجرد التفكير في الخضوع لعملية إزالة شعر أو مشاهدة صور تُظهر شعرًا بشريًا. وتُستمد التسمية من الأصلين اليونانيين «فانيروس» (φανερός) بمعنى «ظاهر» و«فوبوس» (φόβος) أي «الخوف»، لتصف حالة من الكراهية الحادة لكل ما يرتبط بالشعر المحيط بالجسد.
الأثر النفسي والجسدي
تنعكس هذه الفوبيا على الجسد كما على النفس. فالتعرض للموقف المثير للرهاب قد يسبب تسارعًا في ضربات القلب وارتجافًا واضحًا في الأطراف، إلى جانب صعوبة التنفس، أو شعور بضيق في الصدر، أو دوار وغثيان، بل وقد يصل الأمر إلى التقيؤ أو التعرق المفرط والأرق. ويصف بعض المصابين الإحساس بما يشبه «وخزًا في المعدة» أو خوفًا من فقدان السيطرة على الذات. هذه الأعراض تجعلهم يتجنبون مواجهة الموقف بكل وسيلة ممكنة.
أنماط سلوك تجنّبي مؤلمة
قد تدفع هذه الحالة أصحابها إلى ممارسات قهرية مثل الإزالة المتكررة والمبالغ فيها للشعر، أو الامتناع عن النظر إلى أجزاء محددة من أجسامهم. وقد يختار البعض العزلة لتجنب المواقف المحفزة، بما في ذلك مقاطع الفيديو أو الإعلانات التي تظهر شعرًا على الجسد. ومع تفاقم الحالة، يمكن أن تنعزل المصابة أو المصاب عن بيئته الاجتماعية والمهنية، لا سيما إذا لم يكن مكان العمل يسمح بالعمل عن بُعد.
خلفيات محتملة للرهاب
يشير مختصون إلى أن رهاب الشعر قد ينشأ إثر تجربة مؤلمة، سواء في الطفولة بعد حادث اعتداء من شخص ذي شعر غزير، أو في مرحلة لاحقة بعد علاقة سابقة تركت أثرًا نفسيًا سلبيًا. وفي بعض الحالات، يرتبط الشعور بالقرف بمعايير شخصية للجمال والنظافة، لكن يُصبح مرضيًا حين يؤدي إلى تعطيل الحياة اليومية ويؤثر في الروابط الاجتماعية والمهنية.
الطريق إلى التعافي
ينصح الخبراء من يواجهون هذه الحالة – أو من يلاحظونها لدى أحد أقربائهم – بالتوجه إلى طبيب نفسي أو اختصاصي علاج سلوكي. فالتشخيص المبكر يساعد على تحديد درجة الاضطراب وأسبابه. وقد تُستخدم المهدئات في المراحل الأولى لتخفيف حدة التوتر، لكن العلاج النفسي السلوكي المعرفي يُعدّ أكثر فاعلية على المدى الطويل.
العلاج السلوكي والمعرفي
تركّز هذه المقاربة على تعديل أنماط التفكير والسلوك المرتبطة بالخوف، وتعمل على تدريب المصاب على مواجهة المواقف المثيرة للرهاب بشكل متدرّج وتحت إشراف مختص. وفي حال ارتبطت الفوبيا بصدمة نفسية سابقة، يمكن اللجوء إلى تقنيات العلاج بحركة العين لإعادة معالجة الصدمات (EMDR) أو أسلوب «ريتـمو» (RITMO) الذي يجمع بين التنويم الإيحائي والحركات العينيّة. كما يُستخدم التنويم الإريكسوني بوصفه أداة فعالة لتخفيف استجابات الخوف، ويمكن تطبيقه أيضًا على الأطفال فوق الثامنة.
بين المعرفة والتفهّم
إن الحديث عن رهاب الشعر لا ينبغي أن يُختزل في الغرابة أو الطرافة، فخلف هذه الحالة ألم حقيقي ومعاناة قد تقود إلى عزلة قاسية. والوعي بوجود هذا النوع من الاضطرابات يُساهم في تقبّل من يعاني منها، وتشجيعه على طلب المساعدة من المتخصصين بدل الخضوع للخوف في صمت. فالتفهم الإنساني هو الخطوة الأولى نحو التعافي، والحديث عن هذه المخاوف بصدق هو بداية الشفاء.
اقرأ المزيد
خمس عادات بسيطة تكشف سر الانضباط حتى في غياب الداوفع لذلك
كيف يمكن للإنسان أن يصبح نسخة أفضل من نفسه؟
رحلة تقدير الذات: كيف يؤثر سوء التعامل مع النفس في صحتنا العقلية؟










