وطن-في مساء شتوي بارد ، تحوّل محيط مبنى “الأسقف هنري وِبل” الفيدرالي في مدينة مينيابوليس إلى ساحة متوترة بين محتجّين وضباط إنفاذ القانون. وبين الدخان والغاز المسيل للدموع، وجد المصوّر الصحفي جون أبرناثي نفسه ممدّدًا على الأرض، محاطًا بعشرات العناصر الفيدرالية، فيما ضغط أحدهم بركبته على ظهره، في مشهد لم يتوقّع أن يعيش تفاصيله كمجرد شاهد بالكاميرا.
توثيق يتحوّل إلى صراع للبقاء
أبرناثي، الذي اعتاد أن تقتصر عدسته على الصور الإعلانية والمجلات الفنية، خرج في ذلك اليوم لتسجيل احتجاجات ضد إجراءات وكالة الهجرة والجمارك الأميركية، ولتوثيق ما أعقب مقتل رينيه غود في المدينة. لكن ما بدأ كمهمة صحفية سرعان ما انتهى باعتقال عنيف. وسط الغاز الكثيف وصعوبة التنفس، بدا له أنه على وشك الإغماء. ولخشية أن يُصادر معدّاته، ألقى بكاميراه — من طراز “لايكا M10-R” بعدستها الواسعة — باتجاه زميله المصور بيير لافي، ثم رمى هاتفه بعيدًا عن متناول الضباط.
لافـي، المصوّر القادم من دالاس والعضو في “الجمعية الوطنية لمصوري الصحافة”، التقط الكاميرا بسرعة وحاول انتشال الهاتف، فيما حاول أحد العناصر دهس الجهاز مرارًا. وقال لافي في هذا السياق، “اضطررت أن أُدخل يدي وأخرجها بسرعة كمن يلعب لعبة الأطفال لتجنّب الدوس عليها، ونجحت أخيرًا في سحب الهاتف بعيدًا”.

لحظة الاختناق والخوف
خلال دقائق معدودة، كان أبرناثي مقيد اليدين ومحمولًا إلى داخل المبنى الفيدرالي. ويتذكّر تلك اللحظات قائلاً: “صرخت باسمي لأنني لم أكن أدري ما سيحدث، ثم خرجت مني عبارة ’لا أستطيع التنفس‘ بشكل تلقائي، وحينها خطر لي وجه جورج فلويد، وأدركت أن الخطر حقيقي”. تلقّى المصوّر لاحقًا مذكرة مخالفة رسمية دون تحديد جلسة محكمة حتى الآن.
من جهته، يعتقد أبرناثي أن السبب في استهدافه يعود إلى اعتقاد بعض الضباط أنه استخدم عبوة رشّ فلفل ضد الجمهور، وهو ما ينفيه قائلًا إنه كان يحاول فقط إبعاد العبوة التي أمسكها أحد المحتجين المؤيدين لوكالة الهجرة حتى لا تُرش بالقرب منه.
عنف مفرط يقلق المراقبين
لافـي، الذي جاب ولايات عدة لتغطية نشاطات وكالة الهجرة، قال إن تعامل الضباط في مينيابوليس بدا أكثر قسوة من أي مكان آخر شاهده. وأوضح: “بدل أن يحاولوا تهدئة الموقف، يتصرفون منذ اللحظة الأولى بطريقة تهديدية. شاهدت عناصر يطلقون رذاذ الفلفل في فتحات هواء السيارات لإجبار ركابها على الخروج. هذا سلوك متهوّر وخطير”.
إصابات وتحدٍ للإرهاق
بعد الإفراج عنه، لم يتوجه أبرناثي إلى المستشفى فورًا رغم تعرضه لحروق كيميائية في عينه وجروح ناجمة عن رصاص الفلفل والارتطام بالأرض. كان همه الأول استعادة كاميراه وهاتفه. استعان بزوجته لتحديد موقع الهاتف عبر تقنية “Find My iPhone”، فيما نقل لافي المعدات إلى زميل آخر حاول بدوره الوصول إلى صاحبها عبر المعلومات المسجلة في التطبيق الطبي للجهاز. وبعد ساعات طويلة، التقى المصوّران للمرة الأولى في أحد فنادق المدينة. يروي لافي: “خرج من السيارة وصافحني بحرارة وعانقني، رغم أنه بدا متعبًا ومتوجعًا، لكنه كان صامدًا وشجاعًا”.
بعد أن استعاد معدّاته، توجّه أبرناثي أخيرًا إلى المستشفى، وهناك اطّلع على آخر صور التقطها قبل سقوطه على الأرض. كانت اللقطتان الأخيرتان توثّقان المواجهة ذاتها التي انتهت بتقييده. يقول إن صحته الآن مستقرة، لكنه يشعر بإرهاق دائم ورعشة مستمرة لا يعرف إن كانت نتيجة ضغط نفسي أم تأثير بقايا الغاز المسيل للدموع.

مهمة مستمرة رغم المخاطر
وعلى الرغم من تلك التجربة القاسية، لم يبتعد أبرناثي طويلًا عن الميدان. فبعد يومين فقط شوهد مجددًا يحمل كاميراه في احتجاج آخر. زميله لافي علّق بابتسامة: “نحن لا نتوقف بسهولة”.
وبينما يؤكد أبرناثي أنه لم يتعرض من قبل للضرب أو التقييد أو الرش بالفلفل طوال مسيرته، فإنه لا ينوي التراجع عن عمله التوثيقي، حيث يقول: “العالم يجب أن يرى ما يحدث، ليس هنا فقط، بل في كل مكان”. وهو يتمسّك بكاميرته كمن يحتمي بها من الفوضى.
في النهاية، يبقى حادث أبرناثي تذكيرًا بمخاطر المهنة التي تتجاوز أحيانًا حدود العدسة، وتجسد صراع الصحفيين الميدانيين بين واجب الشهادة وحق السلامة. إنها قصة رجل خرج لتصوير الحقيقة، فوجد نفسه جزءًا منها.
اقرأ المزيد
بلا مذكرة اعتقال وفي عز الصقيع.. تفاصيل مروعة لاعتقال مواطن أمريكي بملابسه الداخلية!
مأساة في كاليفورنيا: متظاهر يفقد بصره وسط تصاعد المواجهات العنيفة مع العملاء الفيدراليين










