وطن – يخيّم توتر متصاعد على العواصم الخليجية مع تجدد الحديث في الأوساط الدولية عن احتمال مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران. فبينما تتخذ الولايات المتحدة خطوات لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة، تراقب دول الخليج التطورات بحذر، مدركة أن أي شرارة قد تمتد إلى ضفافها الشرقية وتبدد ما تحقق من استقرار نسبي خلال الأعوام الأخيرة.
تباين في المواقف الخليجية
تتفق أربع دول من مجلس التعاون الخليجي – هي السعودية والإمارات وقطر وعُمان – على رفض أي تحرك عسكري قد يؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني. وقد أظهرت كل من الرياض والدوحة ومسقط مساعي حثيثة لثني واشنطن عن توجيه ضربة مباشرة لإيران، وهو ما أكدته تقارير إعلامية دولية لم تُنفه العواصم الثلاث.
في المقابل، تتبنى البحرين موقفًا أكثر تشددًا، إذ ترى في إضعاف طهران ضمانةً لأمنها الداخلي، بينما اختارت الكويت الصمت تجنبًا لتأزيم المواقف.
أسباب الرفض: النفط أولًا وأمن الحدود ثانيًا
تعتمد اقتصادات الخليج بصورة جوهرية على صادرات النفط، التي تمثل أكثر من نصف دخلها الوطني، وتستخدم غالبيتها مضيق هرمز – الممر البحري الذي تمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. ولذلك، فإن أي اضطراب في المضيق أو استهداف ناقلات النفط سيؤدي إلى خسائر اقتصادية مباشرة ويقوض موازنات دول المنطقة.
وتخشى العواصم الخليجية من أن ترد إيران، عبر الحرس الثوري الذي ينتشر في مياه الخليج، على أي ضربة أمريكية باستهداف المنشآت النفطية أو الناقلات التجارية، وهو ما قد يشعل مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.
كوابح التصعيد: خشية من نيران قريبة
تمتد المخاوف إلى احتمال استخدام القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة لشن هجمات ضد إيران، الأمر الذي قد يجعل تلك القواعد هدفًا لعمليات انتقامية تنفذها خلايا موالية لطهران داخل بعض الدول الخليجية. كما أن المسافة الفاصلة بين السواحل الإيرانية والخليجية لا تتجاوز 300 كيلومتر، ما يجعل المدن الساحلية في مرمى الصواريخ الباليستية الإيرانية.
ويرى باحثون أن أي انهيار للنظام القائم في طهران قد يفتح الباب أمام فوضى تمتد إلى دول الجوار، إذ قد يؤدي إلى موجات نزوح من الأقليات العربية والبلوشية نحو الضفة الغربية للخليج، في وقت تواجه فيه الحكومات تحديات اقتصادية وتنموية داخلية.
الحساسية التاريخية تجاه البدائل
ولا تتوقف التحفظات الخليجية عند المخاوف العسكرية؛ فالتجارب السياسية السابقة تركت أثرها في الذاكرة الإقليمية. فبعض الدول لا تثق في رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، وتستعيد مواقف والده الذي كان يُعرف بـ”شرطي الخليج” وتعامل مع الدول العربية بتعالٍ وعداء. كما أن زعيمة المعارضة الإيرانية مريم رجوي لا تحظى بقبول واسع خليجي، إذ تُتهم بتبني فكر قومي متشدد قد يعيد إنتاج التوتر من موقع مغاير.
بين الاستقرار والمصالح الاقتصادية
في السياق ذاته، يتبنى الباحث في التاريخ السياسي ماجد العباسي رؤية مفادها أن استقرار المنطقة مرهون باستمرار النظام الإيراني الحالي، مشيرًا إلى أن أي تغيير مفاجئ في طهران قد يُدخل الشرق الأوسط في فوضى طويلة الأمد. ويؤكد أن “الخيار الأنسب لدول الخليج هو بقاء نظام إيراني متعاون، بدلاً من مجيء قيادة جديدة يصعب التنبؤ باتجاهاتها”.
أما السعودية، التي استعادت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران قبل ثلاثة أعوام بوساطة صينية، فترى أن أي مواجهة عسكرية قد تنسف نتائج المصالحة الإقليمية وتنهي الهدنة مع الحوثيين في اليمن. وتخشى الرياض أن يعيد التصعيد فتح جبهة جديدة ضدها، سواء من طهران أو من الجماعات المسلحة المرتبطة بها في المنطقة.
ويقول الباحث السياسي السعودي ناصر الدوسري إن “الموقف السعودي لا ينطلق من حسابات آنية، بل من قناعة بأن المنطقة بحاجة إلى تسوية شاملة لمشاكلها المزمنة حتى لا تبقى ساحة تنافس بين القوى الكبرى”.
عُمان وقطر: روابط وتحالفات براغماتية
تحافظ الدوحة ومسقط على علاقات وثيقة مع طهران. فقد وُصفت إيران من قبل المسؤولين في البلدين بأنها شريك موثوق، وكانت الدوحة قد استعانت بعلاقاتها مع طهران لكسر العزلة التي فُرضت عليها خلال أزمة المقاطعة الخليجية بين عامي 2017 و2021.
من جهتها، ترى سلطنة عُمان – التي استضافت مفاوضات البرنامج النووي الإيراني عام 2015 – أن انهيار الجمهورية الإسلامية قد يخل بالتوازن الإقليمي لصالح السعودية، وهو ما تعتبره تهديدًا لعقيدتها الإباضية التي تختلف عن المذهبين السني والشيعي.
ويشير الخبير السياسي الدكتور هاشم البجاني إلى أن “عُمان وقطر تعتبران إيران ركيزة إقليمية ضرورية لموازنة النفوذ السعودي، كما أن طهران احتفظت بعلاقات ثابتة مع مسقط منذ قيام نظامها عام 1979”.
المصالح الاقتصادية للإمارات
أما الإمارات، فتعتبر استقرار إيران ضرورة اقتصادية قبل أن يكون شأنًا سياسيًا. إذ تمثل طهران ثاني أكبر شريك تجاري للإمارات، ويتجاوز حجم التبادل التجاري بين الجانبين 50 مليار دولار سنويًا. ويكشف الخبير الاقتصادي عبد الرحمن مطر أن “نحو 20% من النشاط التجاري في دبي مرتبط بتجار إيرانيين، وعند سقوط النظام الحالي سيعود هؤلاء إلى بلادهم لإدارة تجارتهم مباشرة، مما سيُلحق خسائر بالمراكز التجارية الإماراتية”.
حصيلة المواقف: واقعية سياسية وحذر استراتيجي
تشترك دول مجلس التعاون، رغم اختلاف أولوياتها، في الحرص على تجنب الحرب والتمسك بالاستقرار الإقليمي. فإسقاط النظام الإيراني لن يعني بالضرورة نهاية التهديد، بل قد يفتح فصلاً جديدًا من الغموض والصراعات الداخلية في دولة لا يفصلها عن الخليج سوى أميال بحرية قليلة.
وفي ختام المشهد، يبدو أن المصلحة الخليجية تكمن في احتواء التوتر والحفاظ على قنوات الحوار المفتوحة مع طهران، لا في المغامرة بإعادة رسم الخريطة السياسية لجارٍ بحجم إيران. فبين حسابات الأمن واعتبارات الاقتصاد، يظل الهاجس الأكبر لدول الخليج هو حماية ما تبقى من استقرار وسط منطقة لا تحتمل اشتعال نار جديدة.
اقرأ أيضاً:












