وطن-مع انقضاء الأسابيع الأولى من كل عام جديد، يبدأ كثيرون في الشعور بأن اندفاعهم الأول لتحقيق أهدافهم يتراجع تدريجيًا. فما الذي يجعل عادات مثل الإقلاع عن التدخين أو الانتظام في ممارسة الرياضة أو الادخار تبدو سهلة على الورق لكنها صعبة في التنفيذ؟ الجواب، كما تؤكد الأخصائية في علم النفس لييري سان مارتين من جامعة نافارا، لا يكمن في ضعف الإرادة بقدر ما يرتبط بضعف التخطيط.
البدايات الجديدة وسحر الوعود الشخصية
توضح سان مارتين أن الإنسان بطبيعته يبحث عن “محطات رمزية” تساعده على الانتقال من مرحلة إلى أخرى، ولهذا يصبح مطلع العام لحظة مناسبة لوضع أهداف جديدة ومحاولة إغلاق صفحات الماضي. وترى أن هذه الأهداف ليست مجرد قرارات مؤقتة، بل بمثابة حوار داخلي بين الإنسان كما هو الآن وبين الصورة التي يتمنى أن يصبح عليها، مؤكدة أن هذا الحوار مفيد في ذاته، حتى وإن كان الطريق إلى التغيير مليئًا بالتحديات.
هذا وتضيف أن الشعور بالحماس في الأيام الأولى أمر طبيعي، لكن من الطبيعي أيضًا أن تنخفض وتيرة الدافع مع مرور الوقت، مشيرة إلى أن تقلبات الحافز لا تعني بالضرورة فشلاً في الالتزام، بل هي جزء من التجربة الإنسانية في تحقيق الأهداف.
عندما تكون المشكلة في التخطيط لا الإرادة
تقول سان مارتين إنّ معظم الناس يتعثرون لأنهم يضعون أهدافًا ضخمة أو غير واقعية أو يصيغونها بعبارات فضفاضة. فبدلاً من تحديد غاية مبهمة مثل “الادخار أكثر”، يُستحسن تحديد مبلغ واضح، كأن يكون الادخار بمقدار خمسين يورو شهريًا. هذا التحديد، بحسب المتخصصة، يجعل من السهل قياس التقدم، وملاحظة النتائج بشكل ملموس، وهو ما يعزز الالتزام والدافعية.
كما تؤكد أن ترتيب الأهداف حسب الأولوية يساعد في فترات التعب أو ضعف العزيمة؛ فعندما يعرف الشخص ما هو الأهم له، يستطيع توجيه طاقته المحدودة بشكل أكثر فاعلية. كما تنبه إلى أن تقليد أهداف الآخرين أو تبني ما هو “شائع” لا يُجدي نفعًا، لأن النجاح في الالتزام يقترن بتوافق الهدف مع القيم والرغبات الشخصية لكل إنسان.
الدعم الاجتماعي والحوافز الشخصية
وتشير سان مارتين إلى أن مشاركة الأهداف مع أشخاص مقربين قد تكون خطوة فعالة، إذ إن إعلان الالتزام أمام الآخرين يخلق نوعًا من الرقابة الإيجابية التي تساعد على الثبات في لحظات الضعف.
كما تنصح بوضع مكافآت صغيرة تتحقق مع التقدم في الطريق نحو الهدف، معتبرة أن هذا المسار لا يجب النظر إليه كعبء، بل كفرصة لاكتساب مهارات جديدة واكتشاف جوانب غير معروفة من الذات. “من المهم أن نرى في أهدافنا وسيلة للتطور الشخصي وليس مجرد نتيجة نصل إليها”، تقول الباحثة.
حين لا نبلغ الهدف المنشود
قد يتعرض الإنسان لبعض الإخفاقات رغم كل الجهود، وهنا، وفقًا لسان مارتين، ينبغي التوقف لتقييم ما حدث بهدوء: فهل ما حدث فشل حقيقي أم مجرد شعور بالذنب والمبالغة في تحميل النفس المسؤولية؟ فالنظرة القاسية للذات قد تتحول إلى عبء يمنع التقدم بدلاً من أن يحفزه.
أهداف تتجاوز الذات
وفي ختام حديثها، تذكّر سان مارتين بأن الأهداف ينبغي ألاّ تقتصر على تحسين الذات فقط، بل يمكن أن تمتد لتشمل الآخرين، كتعزيز التواصل الاجتماعي أو دعم جمعية خيرية. فالعطاء، على حد قولها، “هو أيضًا شكل من أشكال النمو الشخصي، وجزء من إنسانيتنا المشتركة”.
بهذه النظرة المتزنة، يبدو أن تحقيق الوعود السنوية لا يرتبط بشدة الإرادة وحدها، بل بالوعي، والاتساق، والتخطيط الواقعي؛ فكل هدف صغير منظمٍ قد يقود في نهاية المطاف إلى تحوّل حقيقي ودائم في الحياة.
اقرأ المزيد
كيف يمكن للإنسان أن يصبح نسخة أفضل من نفسه؟
كيف نصنع سعادتنا في عام 2026؟رحلة تبدأ بسؤال واحد قد يغيّر عامك للأفضل












